النظرية العامة للقانون الدستوري : مفهوم الدستور



لكل دولة دستور. الخطوة الأولى لكل دولة جديدة هي إحداث دستور


I - تعريف:

الدستور هو القاعدة الأسمى , ليست هناك قاعدة تعلوه. لكونه القاعدة الأساسية للأمة , يكون الدستور خاضعا للاستمرار . فهو يلزم المواطنين وأجهزة السلطة , من الصعب تغييره.

II - أشكال الدستور : Les formes de la constitution
1- الدستور المكتوب والقوانين التنظيمية :
أ- الدستور المكتوب يكرس في وضع وثيقة مكتوبة وهو الأكثر حداثة للدستور

المكتوب او المحرر يفرز سهولات الحجة وضمانات المصداقية والحماية ضد الارتجال , والأسس والوضوح
تعطي خاصية التحرير كذلك ضمانات أخرى تتمثل في تحديد الجهاز المتخصص في تعديل الدستور و تحديد المسطرة التي يجب اتباعها في التعديل . يكون المواطنون متأكدون من استقرار القواعد الدستورية.

ب- القوانين التنظيمية :Les lois organiques

لا يمكن للدستور أن ينظم كل ما يتعلق بالسلطات العمومية , إلى جانب الدستور , نجد قوانين تكمله وتفسره وتكيفه : انها القوانين التنظيمية.
في كثير من النقط , ينص الدستور على أن قوانين خاصة تسمى القوانين التنظيمية , تتدخل لتكميله وتطوير قواعد تنظيم وسير السلطات العمومية .

2- الدستور العرفي

هو دستور ناتج عن تقاليد وعادات و مبادئ , تم احترامها من طرف عدة أجيال.
في الوقت الحالي , ليس هناك إلا بعض الدساتير العرفية . الأكثر شهرة هو الدستور البريطاني وهناك دستور المملكة العربية السعودية ودستور سلطنة عمان.
يتم التركيز على أن هذا النوع من الدساتير يتميز بكونه منسجما مع المجتمع الذي افرزه و هو ليس اصطناعيا لأنه ثمرة تجربة المجتمع يتبلور حول تطور حياة الأمة ويتم احترامه تلقائيا.
وبالمقابل فهو غير دقيق ويصعب الالمام به , والاكثر من ذلك الدستور العرفي قليلا ما يكون ديموقراطيا في ظروف تهيئه . فهو ثمرة لسلوكات واختيارات تم اعتمادها في الطبقات العليا من الطبقة الحاكمة وهؤلاء الذين يلامسون السلطة . ليس للشعب أي ارتباط به

III-مضمون الدستـــــــــور :
ماذا نجد في الدستور ؟
1-تصريحات الحقوق : La déclaration des droits

واقع يفرض نفسه : جل الدساتير الحالية تفتح بتصريحات الحقوق أو بديباجة وأحيانا بهما معا.
تدل هذه النصوص على الفلسفة السياسية للنظام و على القيم التي يعتمدها كما تنص على حقوق وحريات المواطنين التي تلتزم السلطة باحترامها.
نجد في الدساتير مجموعة من المقتضيات تكرس حرية التفكير و التعبير و الذهاب و الأمن و مساواة المواطنين إلخ.

2- مبادئ التنظيم الاقتصادي و الاجتماعي :

إن تسجيل عدد من مبادئ التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في الدساتير هو حديث . تأخد هذه مكانة في ديباجة أو في تصريحات الحقوق أو في فصل خاص من النص الدستوري وتشكل الدستور الاجتماعي إلى جانب الدستور السياسي . في هذه المبادئ يتم وضع كامل اسس الحياة الاجتماعية والأهداف التي تحددها الأمة للمستقبل . برنامج كامل يتم تحديده هكذا وهو ما أدى إلى صياغة مفهوم الدستور - البرنامج لنعث هذه المقتضيات التي تحدد تصريحات للنوايا أكثر من حقوق حالية للمواطنين أو واجبات مباشرة للسلطة.
تعطى نصائح للسلطات العمومية وتحدد لهم توجيهات : يسطر سلوك المشرع , تقرر الأمة أن تسير في طريق معين ...

3- قواعد التنظيم ومسطرات تسيير المؤسسات :

تشكل قواعد وتسيير المؤسسات النواة الصلبة للدستور , دراستها على مستوى الواقع هي الموضوع الأساسي لدرس القانون الدستوري.
تهم هذه المقتضيات مثلا التعيين و الإطار القانون لرئيس الدولة , انتخاب النواب , إحداث الهيئة القضائية المكلفة بالسهر على احترام , العلاقات بين مجالس البرلمان , مراجعة الدستور , الخ
الخاصية الاساسية لهذه القواعد هي كونها من حيث المبدأ ملزمة للسلطات العمومية و هي تختلف هكذا عن مبادئ التأثير الاقتصادي والاجتماعي.
نخرج هنا من مجال الدستور البرنامج لندخل مجال الدستور القانون : لا يتعلق الأمر بإعطاء توجيهات متفاوتة الأهمية للسلطات العامة بل بتحديد سلوكهم بوضوح دقيق : الحكام مرتبطون بهذه المقتضيات وعدم احترامها يعتبر خرقا للدستور .

4- مقتضيات مختلفة :

يمكن للدساتير أن تتضمن كذلك مجموعة من المقتضيات متفاوتة الأهمية و القيمة , نجد من بينها : اسم الدولة , شكل النظام , العملة الوطنية , عاصمة الدولة وكذلك اللغة والدين الرسميين .

IV - سلطة الدستور : Autorité de la Constitution
في غالبية الدول الحديثة , الدستور هو العقد الذي يملك السلطة العليا . في هذا الإطار يتم النص على مسطرات لاحترامه.
1- تدرج القوانين : La hiérarchie des normes

ما هو النظام القانوني ؟
النظام القانوني مجموعة منظمة من القواعد القانونية التي تنظم مجتمعا ما . يتكون هذا النظام من قواعد تدخل في القانون العام وأخرى تعود للقانون الخاص . كل هذه القواعد لا تتواجد في نفس المستوى و ليست لها نفس القيمة .
نقول أن القواعد القانونية متدرجة ويمكن وضع ترتيب لهذه القواعد حسب درجة سلطتها . يميز هذا الترتيب بكون القواعد العليا تحكم و تلزم القواعد التي تكون اسفلها أو تخضع لها في التدرج . كل قاعدة يجب أن تكون متطابقة و غير متنافية مع القواعد التي تعلوها.

- كيف يوضع هذا الترتيب ؟
نظرية التدرج الهرمي للقوانين :
القوانين العليا هي أقل عددا من القواعد الخاضعة , هرم القوانين يمكن أن يمثل بصورة هرم ارتبط به اسم رجل القانون النمساوي كلسين Kelsen : ( النظام القانوني ليس نظام قواعد قانونية متواجدة في نفس الدرجة ولكن صرح ذو عدة طبقات متموضعة , هرم أو تدرج يتكون من عدد من الطبقات المتتالية.
بداخل نظام التدرج الهرمي للقوانين نجد في قمة التدرج القاعدة الأم تلك التي تحكم كل النظام القانوني و التي تخضع لها مباشرة أو بصفة غير مباشرة قواعد أخرى موضوعة في نفس المستوى و هي نفسها تلزم القواعد التي تليها وهكذا . في كل مستوى يتزايد عدد القواعد و في نفس الوقت تتسع قاعدة الهرم .
هكذا ملاحظة تفرض نفسها : يرتكز كل نظام قانوني على تدرج للقوانين و القاعدة التي توجد في القمة هي عموما الدستور الذي هو القاعدة السامية و الذي يلزم كل القواعد الأخرى.

كيف يتم فرض احترام الدستور ؟

2- ضمان سمو الدستور : مراقبة دستورية القوانين :

أ- أنواع المراقبة:

- المراقبة بواسطة جهاز سياسي :
يتم تصور الجهاز السياسي بشكل يحفظ حساسية الذي يحدثون القانون . فالبرلمان (ومن خلال الأحزاب السياسية) يتم إشراكه في تعيين أعضاء الجهاز السياسي وأحيانا يتم إشراك الحكومة كذلك.

- المراقبة بواسطة جهاز قضائي :
طريقة أخرى تتمثل في اسناد المراقبة إلى هيئة قضائية , إلى قضاة يفصلون بالقانون . تعتبر اشكالية الدستورانية في هذه الحالة تقنية - هل القانون مطابق للدستور ؟ والحل يطلب هنا لتقنيتي القانون.
يمكن للهيئة القضائية أن تكون أي محكمة مندرجة في التدرج القضائي تفصل في أي نوع من القضايا الأخرى (النظام الأمريكي), أو مؤسسة يتم إحداثها خصيصا لهذا الغرض و التي يسند اليها وضع هيئة قضائية أي اتجاه السلطة (النظام النمساوي1920).

ب- مسطرة المراقبة : La procédure de la saiine
تطرح ثلاث أسئلة : من يمكنه اللجوء إلى جهاز المراقبة ؟
متى يمكن اللجوء الى جهاز المراقبة؟
ماذا يطلب منه؟

- وضع الدعوى : La saisine 
عموما اللجوء إلى المراقبة هو مفتوح أمام عدد صغير من الأشخاص.
يسند رفع الدعوى الى البرلمانيين أو رؤساء المجالس أو رئيس الدولة أو الحكومة . يتعلق الأمر بتحديد جد ضيق لرفع الدعوى و الذي قد يمس بفعالية المراقبة . هؤلاء هم رجال سياسة هويتهم ليس الدفاع عن الدستور بل تحقيق بعض أهدافهم السياسية.
- وقت رفع الدعوى : Le moment de la saisine
متى يمكن التحقق من مطابقة القانون للدستور ؟
هناك امكانيتان : قبل أو بعد دخول القانون حيز التنفيذ . نتكلم عن المراقبة القبلية او المراقبة البعدية.

+ المراقبة القبلية : تتدخل هذه المراقبة قبل إصدار الأمر بتطبيق القانون . عموما هي مراقبة مجردة بمعنى أنها تتم دون حدوث أي نزاع دقيق أو تطبيق لأي قانون.
يتميز هذا النظام بإعادة الدستورانية أثناء المسطرة التشريعية.
+ المراقبة البعدية :تتدخل هذه المراقبة حينما يكون القانون قد تم تطبيقه وهي لا تهدف إلى منع تطبيق قانون منافي للدستور, بل إلى معارضة تطبيقه في حالة معينة أو بشكل أوسع إبطاله بالنسبة للمستقبل.

- موضوع رفع الدعوى: L'objet de la saisine
رافعوا الدعوى بإمكانهم طلب إما إلغاء القانون (المراقبة عن طريق الدفع) أو عدم تطبيقه في قضية معينة (المراقبة عن طريق الاستثناء).
+المراقبة عن طريق الدفع : Le contrôle par voie d'action
هنا رافع الدعوى يطلب عدم إعطاء أي مفعول للقانون في حالة كونه غير مطابق للدستور, أي في المراقبة القبلية لا يتم إعطاء الأمر بتنفيذه وفي المراقبة البعدية يتم إلغاؤه واعتباره غير موجود.
+المراقبة عن طريق الاستثناء: Le contrôle par voie d'exeption
في هذه الحالة لا يطلب المدعي إلغاء القانون , بل يطالب فقط إبعاد تطبيق القانون في حالة معينة لكونه منافيا للدستور.
تمارس عادة المراقبة عن طريق الاستثناء بواسطة قاض. يبدو الاستثناء كوسيلة دفاع مقدمة للمواطنين.
القرار الذي يتم اتخاده لا يلزم الجميع كما هو الحال في المراقبة عن طريق الدفع , لا يتم إلغاء القانون فهو يبقى متواجدا , يتم فقط إبعاده في النزاع المعني (المفعول النسبي للشيء المقضي به).
تمزج أنظمة مراقبة دستورية القوانين الحلول التقنية المعروضة : يمكن اسناد المراقبة في نفس الوقت لقضاة عاديين ولجهاز مختص , يمكن للمراقبة القبلية أن تترك المجال للمراقبة البعدية عند إعطاء الأمر بتنفيذ القانون , أخيرا كدولة إسبانيا و إيطاليا و ألمانيا تطبق في نفس الوقت مراقبة عن طريق الدفع و مراقبة عن طريق الاستثناء , نتكلم إذا عن أنظمة مختلطة .

إرسال تعليق

أحدث أقدم