ما معنى تخليق المرفق العمومي ( ذ الرشدي هشام )






                            

ذ. الرشدي هشام




يذهب بنا مصطلح " التخليق " إلى معان جمة كالاستقامة و النزاهة و الصدق والأمانة، لكن عندما يتم ربطه بالإدارة العمومية في إطار ما يسمى بأخلاقيات الإدارة، فإنه يحوي منظومة سلوكية تتشكل من المبادئ و الضوابط التي تضبط تدبير الشأن العام، و توجه سلوك الموظف من أجل القيام بواجبه على الوجه الذي يخدم المصلحة العامة، و يحافظ على شرف الوظيفة و سمعتها، و على قاعدة الالتزام بمبادئ الاستقامة و الأمانة و تقدير المسؤولية.
وتتفق الأخلاق مع القانون في أن كليهما يمثل قواعد سلوك اجتماعية و يسعيان إلى تنسيق و تنظيم التعايش بين أفراد المجتمع؛ فمثلا في إطار علم الإدارة تعتبر المدرسة السلوكية أن القيادة تستهدف سلطتها الفعلية من القدرة على التأثير في سلوك الآخرين لجعلهم يقبلون النفوذ و السلطة عن رضا و اختيار و ليس عن قهر، و من أجل تحقيق هذه الغاية و تجاوز التوجه السلطوي يجب أن ينصب الاهتمام على تقريب وجهات النظر و تفهم سلوك العاملين.
و يؤدي تأصيل الأخلاق في سلوك الأفراد إلى تحويل العادات السلوكية إلى مبادئ خلقية، بحيث يكون تصرف الأفراد نابع من إيمان عميق بهذه القيم، و ليس خوفا من عقاب، و لذلك فاستمرار السلوك على نحو أخلاقي معين في المجتمع يخلق اقتناعا جماعيا بضرورة احترامه و هذا ما يعطي له قوة اجتماعية كبيرة تتحول بمقتضاه القاعدة السلوكية ذات الأصل الأخلاقي إلى قاعدة قانونية يشعر معها الأفراد بضرورة احترامها، فالكثير من القواعد و النظريات الأخلاقية اندمجت في النصوص القانونية عن طريق التشريع.
و تستمد أخلاقيات الإدارة أصلها من مصادر قانونية مختلفة، كالأحكام الدستورية و التشريعية و التنظيمية و قواعد القانون الدولي، و عموما يعتبر التخليق  مجموعة المبادئ و الضوابط التي تؤطر الشأن العام، و توجه الحياة و الممارسة المهنية للموظف العمومي و سلوكياته في إطار عرفي أو قانوني، و يتجسد في التطبيق السليم للقيم الأخلاقية والمهنية المعمول بها في التصرفات الفردية في مختلف المواقف.
و تبرز أهمية موضوع تخليق المرفق العمومي كضرورة إستراتيجية و رهان سياسي و اقتصادي و اجتماعي لبناء إدارة عصرية و حديثة تقدم خدماتها للمرتفقين، وفق متطلبات الشفافية و الفعالية و تجد هذه المتطلبات ضالتها في منظومة الحكامة الجيدة بوصفها منهجا ناجعا لتدبير الشأن العمومي، و قد تم تكريس هذا التوجه لأول مرة بإقرار الدستور الجديد بابا كاملا للحكامة الذي حث على تغيير أنماط التدبير الإداري والمالي والالتجاء إلى التقنيات الحديثة للتنظيم، والاستغناء عن الطرق البيروقراطية التقليدية.
 فموضوع  تخليق المرفق العمومي يطرح  تحديا مصيريا على السلطات العمومية  باعتبار الإدارة العمومية ركيزة كل إصلاح و أي عطب يصيبها ينعكس سلبا على سائر القطاعات الأخرى، و بالتالي فإن دوره  في التحصين ضد ممارسات الفساد و تأهيلها للنهوض بالأدوار المنتظرة منها يعتبر أولوية الأولويات في ظل التحديات المطروحة على المستوى الداخلي و الخارجي للدولة. 
فالتخليق أصبح اليوم مطلبا عالميا بسبب تفشي ظاهرة الفساد وآثارها المدمرة على استقرار وأمن الدول والمجتمعات، و تعارضها مع ترسيخ دولة القانون وعرقلتها لمجهودات التنمية، وقد تضاعفت هذه الأخطار في السنين الأخيرة نتيجة تداعيات العولمة والتنافسية والتطور التكنولوجي وما أفرزته من ترابط بين الدول وتشابك في الصفقات المالية والتجارية والاستثمارية وقنوات التواصل و آليات تدفق الرساميل. و لا يختلف اثنان على أن هذا المطلب في المجال الإداري تمليه العواقب الوخيمة لمظاهر الفساد الإداري و انعكاساتها السلبية على عملية اتخاذ القرار المناسب بشأن تطبيق إستراتيجية محكمة لإدارة الموارد البشرية و على مجمل أداء الحكومات، كما تفرضه إكراهات التنافسية العالمية التي ذهبت الهيئات و المؤسسات السياسية و المالية و الدولية إلى تنصيب مستوى التحلي بالأخلاق كمقياس يحتكم إليه في الكثير من القرارات، و لهذا صار من الضروري إعادة الاعتبار للأخلاقيات داخل أجهزة المرافق العمومية و دعوة كافة العاملين بالإدارة إلى مراعاة ضوابط السلوك المستقيم في عملهم اليومي لإعطاء صورة مشرفة  و مغايرة عن المصالح العمومية.  لذا فتخليق السلوك الإداري رهين ببناء علم إداري أخلاقي يعتمد الأخلاق كأساس للتأثير في السلوك البشري، و ذلك عن طريق تغيير العقليات و توجيه النفوس و خلق جو أخلاقي مؤطر للسلوك و تخليق السلوك الإداري مرتبط أساسا بكشف السلبيات فلا نفع لعملية التخليق داخل جو غير أخلاقي. و لتجاوز السلبيات و استشراف مستقبل إداري مشرق تقتضي ضرورة تحسين العلاقة بين القيادة الإدارية و القاعدة من جهة و تخليق تعامل الموارد البشرية مع القائد من جهة ثانية.
إن فعالية القيادة الإدارية يكمن في ذلك النشاط الإيجابي الذي يباشره القائد في مجال الإشراف الإداري على المرؤوسين و ذلك لتحقيق هدف معين بوسيلة التأثير و الاستمالة، أو باستعمال  السلطة الرسمية، و بالقدر المناسب و عند الاقتضاء و الضرورة، و يتطلب لقيام القيادة الإدارية بدورها في تنمية الموارد البشرية التحلي بمبادئ أخلاقية و بالمشاركة النشيطة، فهذه الأخيرة أجدى من كل ذلك، حيث أثبتت التجارب أنه إذا أمكن جعل المرؤوسين مشاركين نشيطين و مسؤولين واعين بدورهم في العملية الإنتاجية، فإن ذلك يصبح على درجة معينة من الوعي الأخلاقي الإداري.
و تتجلى مهارات القيادة في توجيه العاملين  نحو السلوك الأمثل  و تخليق الأجواء الإدارية في مجموعة من المعطيات التي يكون الالتزام بها أحسن من تفعيل السلطة و إصدار الأوامر، ذلك أن السلطوية المطلقة لا يمكن أن يكون لها واقع إيجابي مع  واقع عدم الرضاء و رتابة أجواء العمل، فالقائد الذكي يراعي سلوك مرؤوسيه و يدفعهم إلى الأمام بتحفيزهم و إقناعهم، و قد يتمكن الرئيس في ذلك عن طريق التزامه بمجموعة من السبل كمحاولة فهم سلوك العاملين و تشجيعهم نحو الإيجابية فضلا عن ضرورة إعطاء القدرة الحسنة من طرفه شخصيا، بالإضافة إلى إتاحة المجال أمام الموظفين لإبداء الرغبات و الاقتراحات و التعبير عن النفس كي يتم توجيههم بطريقة سليمة، فأسلوب التوجيه الذي يتم في إطار من الاحترام و تفاهم إنساني سليم هو من الأساليب المهمة، لأن الفرد لا يقبل أي إشراف حتى و لو كان مفيدا ما لم يتم هذا الإشراف عن طريق التفاهم الإنساني المشبع باحترام الذات و تنمية الثقة المتبادلة و الشعور بالمصلحة المشتركة بين القيادة و الموارد البشرية. و هو ما يعزز العبارة القائلة بأن ثروة إدارتنا تستقر بصفة جوهرية في جودة مواردها البشرية و في قدرة هذه الأخيرة  على التعبير عن كل إمكانياتها و طاقاتها الدفينة بالشكل الذي يفيد في تعزيز أواصر التآزر و تخليق و أنسنة علاقات التواصل في أفق تأهيل إدارة التنمية البشرية على التأقلم مع جميع المستجدات.
إن تخليق المرفق العام لا يمكن بلوغ أهدافه إلا بمقاربة شمولية ومساهماتية تلقى الدعم المناسب من جميع الهيئات والفعاليات المجتمعية من إدارة ومواطنين ومجتمع مدني. فمواصلة تدعيم وتعزيز الأخلاقيات بالمرفق العام هي عملية متممة لمسار الإصلاح و التحديث الشمولي، لأن الممارسات المنحرفة والمخالفة للقيم الأخلاقية تعد عائقا في وجه إرساء دولة المؤسسات ودولة القانون.
وإذا كانت هذه الاوراش الإصلاحية قد تم تصورها و اعتمادها بشكل شمولي و مساهماتي في المجهود الوطني لتخليق المرفق العام،  فيمكن اعتبارها جوهر النظام الوطني للنزاهة الذي يمثل مقاربة شمولية للإصلاح المرتكز على عنصري التحفيز والزجر لترسيخ القيم الأخلاقية بالإدارات العمومية بفضل الإصلاحات الإدارية وإشراك كافة المكونات المتدخلة في هذا الإطار.
  • أنت الزائر رقم :