الالتزام الدولي للمغرب بمحاربة تنازع المصالح

الالتزام الدولي للمغرب بمحاربة تنازع المصالح

من إعداد: نورالدين مصلوحي.
 عدل متمرن وباحث بماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط.


يعد الفساد المعضلة الكبرى لكل دولة تسعى إلى تحقيق التنمية وترسيخ سيادة القانون، فالفساد يقوض الديمقراطية، ويؤدي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الانسان وتشويه الأسواق، وتدهور نوعية الحياة، ويتيح ازدهار الجريمة المنظمة والإرهاب وغير ذلك من التهديدات لازدهار الأمن البشري[1].
هذا، وإن الفساد تتعدد مظاهره لحد يصعب حصرها، ويعد تنازع المصالح أحد الحالات المجسدة للفساد الإداري والمالي، وقد عرف المجلس الأوربي تنازع المصالح بأنه " كل وضعية يكون فيها للعون العمومي مصلحة شخصية من شأنها أن تؤثر بطبيعتها أو يظهر تأثيرها في التنفيذ المحايد والموضوعي لمهامه الرسمية[2]".
وتعد الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد والتي صادق عليها المغرب سنة 2007؛ أحد أهم الاتفاقيات التي قعدت لمفهوم الفساد وكيفية التصدي له والآليات الكفيلة بذلك، وقد تطرقت بشكل واف لتنازع المصالح، وحثت الدول المصادقة على الاتفاقية باتخاذ الواجب قانونا لمنع تضارب المصالح، وسنحاول أولا التطرق لمنع تنازع المصالح على ضوء الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، لنختم مقالنا بالحديث عن تنازع المصالح وفق التشريع المغربي.

أولا: تنازع المصالح على ضوء الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد:

 نصت المادة 7 من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد في فقرتها الرابعة أنه " تسعى كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، إلى اعتماد وترسيخ وتدعيم نظم تعزز الشفافية وتمنع تضارب المصالح. وجاء في المادة 8 في فقرتها الخامسة " تسعى كل دولة طرف، عند الاقتضاء ووفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، إلى وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء منها ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهاهم كموظفين عموميين".
نستنتج من المقتضيات الواردة أعلاه، أن لتضارب المصالح مفهوم خاص حسب الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، هذا المفهوم الذي يركز على المصلحة الاقتصادية أو بمعنى آخر، كل مصلحة تقوم بالمال، والدليل على ذلك حث الاتفاقية في المادة الثامنة أعلاه للدول المصادقة عليها، بوضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء، منها ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين.

ثانيا: تنازع المصالح وفق التشريع المغربي:

إن مصادقة المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، جعلت على عاتقه التزاما بإدراج مضامينها في صلب التشريعات الداخلية؛ فالمغرب في تصدير دستور 2011، التزم بجعل تشريعاته ملاءمة للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها.
هذا، وقد تمت دسترة منع تضارب المصالح في الفصل 36 من الدستور وجعله مستوجبا للعقوبة، إذ ينص هذا الفصل على أنه " يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي.
وإن من شأن تفعيل المقتضى الدستوري أعلاه بمنع تنازع المصالح في إدارة الشأن العام والمعاقبة عليه، المساعدة على الوقاية من كل السلوكيات غير السوية داخل مختلف التنظيمات الإدارية والسياسية، وتخليق المرفق العام بجعل الغاية الأساسية من إحداثه هي إشباع حاجات المواطن وخدمة الصالح العام، فأعوان المرافق العمومية حسب الفصل 155 من الدستور؛ يمارسون وظائفهم وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة.
ومن المستجدات القانونية التي تعرضت بوضوح لحالات تنازع المصالح التي يقع فيها المكلف بتدبير الشأن العام؛ القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، حيث تنص المادة 68 من القانون التنظيمي 14-111 المتعلق بالجهات، على أنه "يمنع على كل عضو من أعضاء مجلس الجهة أن يربط مصالح خاصة مع الجهة أو مع مجموعات الجهات أو مع مجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجهة عضوا فيها، أو مع الهيئات أو مع المؤسسات العمومية أو مع شركات التنمية التابعة لها، أو أن يبرم معها أعمالا أو عقودا للكراء أو الاقتناء أو التبادل، أو كل معاملة أخرى تعم أملاك الجهة، أو أن يبرم معها صفقات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات، أو عقودا للامتياز أو الوكالة أو أي عقد يتعلق بطرق تدبير المرافق العمومية للجهة، أو أن يمارس بصفة عامة كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح، سواء كان ذلك بصفة شخصية أو بصفته مساهما أو وكيلا عن غيره أو لفائدة زوجه أو أصوله أو فروعه. وتطبق نفس الأحكام على عقود الشركات وتمويل مشاريع الجمعيات التي هو عضو فيها.
بعد قراءتنا المتمعنة للمادة أعلاه، لا بأس بالإدلاء ببعض الملاحظات:
- إن حالات تنازع المصالح غير محصورة، بدليل أن المشرع في المادة 68 أعلاه ضرب أمثلة لحالات تنازع المصالح، ثم بعد انتهاءه من ضرب الأمثلة أتبع هاته الأمثلة بقوله " أو أن يمارس بصفة عامة كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح". وهذا ينسجم مع التعريف الوارد أعلاه، والذي قدمه المجلس الأوربي حين عرف تنازع المصالح بادئا بقوله "كل وضعية".
- إن ما يميز تنازع المصالح الذي هو موضوع مقالنا، هو أن المصلحة فيه تكون اقتصادية.
- ليس ضروريا أن تكون المصلحة الاقتصادية لفائدة المكلف بإجراء تصرف باسم المرفق العمومي حتى ينطبق على صاحبها وصف الوقوع في حالة من حالات تنازع المصالح، فيستوي أن تكون المصلحة لفائدة هذا الأخير أو لفائدة زوجه أو أصوله أو قد يكون مساهما أو وكيلا عن غيره في التصرف المبرم.
وقد ألزمت المادة 244 من القانون التنظيمي للجهات مجلس الجهة ورئيسه والهيئات التابعة للجهة ومجموعات الجهات ومجموعات الجماعات الترابية اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل احترام التزامات من بينها عدم تنازع المصالح.
والجزاء الذي يتعرض له الواقع في حالة من حالات تنازع المصالح حددته المادة 68 من القانون التنظيمي للجهات في فقرتها الثالثة، والتي تشير إلى المادة 67 من نفس القانون، هذا الجزاء قد يكون بعزل عضو المجلس المعني من المجلس الجهوي، أو عزل الرئيس أو نوابه من عضوية المكتب أو المجلس، هذا العزل الذي يمكن أن تحكم به المحكمة الإدارية بعد إحالة الأمر إليها من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية أو الوالي، وذلك بعد سلوك هاتين السلطتين لإجراءات أولية حددتها المادة 67 من القانون التنظيمي للجهات.
ويترتب على إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية حسب المادة 67 أعلاه، توقيف المعني بالأمر عن ممارسة مهامه إلى حين البت في طلب العزل، كما لا تحول إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية دون المتابعات القضائية، عند الاقتضاء.
هذا، ويمكن اعتبار الفصل 245 من مجموعة القانون الجنائي، آلية جنائية رئيسية لمعالجة تضارب المصالح خلال ممارسة المهام وبعد انتهائها، حيث ينص هذا الفصل على ما يلي: " كل موظف عمومي أخذ أو تلقى أية فائدة في عقد أو دلالة أو مؤسسة أو استغلال مباشر يتولى إدارته أو الاشراف عليه، كليا أو جزئيا أثناء ارتكابه الفعل، سواء قام بذلك صراحة أو بعمل صوري أو بواسطة غيره، يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات، وبغرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم. وحسب نفس الفصل فإذا كانت قيمة الفائدة التي تم الحصول عليها تقل عن مائة ألف درهم، فإن الجاني يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وبغرامة من ألفي درهم إلى خمسين ألف درهم.
وبناء على الفصل 246 من مجموعة القانون الجنائي، فإنه تطبق أحكام الفصل 245 أعلاه على الموظف العمومي خلال خمس سنوات بعد انتهاء وظيفته، أيا كانت كيفية هذا الانتهاء، وذلك فيما عدا الحالة التي يكون قد حصل فيها على الفائدة عن طريق الميراث.
هذا، وإن المقتضيات التي تمنع تنازع المصالح وتجعل الوقوع في حالة من حالاته موجبا للعقوبة بموجب القانوني التنظيمي للجهات؛ تطبق حتى على أعضاء ورؤساء ونواب رؤساء باقي الجماعات الترابية الأخرى وهي العمالات والأقاليم والجماعات بموجب القوانين التنظيمية المنظمة لهذه الجماعات الترابية[3].


[1] ديباجية الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد.
[2] عرض قدمه السيد مولاي الحسن العلوي يوم 7 دجنبر 2012 في يوم دراسي حول معالجة تضارب المصالح، والعرض منشور في موقع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها على الأنترنيت ص 9 من العرض.
[3] أنظر المادتين 66 و214 من القانون التنظيمي رقم 14-112 المتعلق بالعمالات والاقاليم، والمادتين 65 و270 من القانون التنظيمي رقم 14-113 المتعلق بالجماعات.