مدخل إلى العلوم السياسية : ملخص مميز لعلم السياسة


القسم الاول : ماهية علم السياسة

الفصل الاول : السياسة قديما و حديثا

المبحث الاول : عصر السياسة


حكاية السياسة هي حكاية قديمة قدم الانسان و الممارسة السياسية هي بدورها قديمة. ومن ذاك الحين و الانسان يفكركيف يحمي نفسه و يسطر على محيطه و ينظم حياته و يوسع سلطاته و ياثر على الاخرين. وكانت هذه الاسئلة الولى و الاسئلة الكبرى في السياسة و سيبقى الحديث عن السياسة مادام هناك من يبحث عن العدالة و يسعى لها و يرغب في ممارسة السلطة و النفوذ و يود ان ياثر في محيطه ومن الافراد من حوله. ولا يمكن للسياية ان تختفي من الحياة و لا يتوقع لها ان تختفي قريبا من الرغم من قدمها لكن السياسة التي كانت حاظرة دائما و في كل العصور اصبحث اكثر حضورا في هذا العصر.

المبحث الثاني : عناصر السياسة


ان التعرف على السياسة يتم من خلال التعرف على مكوناتها و عناصرها المختلفة و المتميزة و التي تاخد ابعادا و تجليات كثيرة و المؤكد كذلك ان للسياسة عدة اشكال تتراوح بين البسيطة و المعقدة ولها عدة صيغ منها القديمة و الحديثة, القانونية , و السلوكية و الفلسفية.
و يمكن النظر اليها من عدة زوايا , فالسياسة لا تاتي في شكل واحد, ولا في صيغ واحدة, وهي تبدو للانسان العادي الذي يخشاها, بخلاف ما تبدو السياسي الذي يمارسها. كذلك تختلف السياسة من مجتمع الى اخر, فلكل مجتمع اسلوبه, و طريقته الخاصة في شأنه السياسي , وفي تنظيم المؤسسات و الادوار السياسية , لا توجد السياسة واحدة صالحة لكل زمان و مكان , و لا يوجد تنظيم سياسي يتناسب مع جميع مجتمع الى اخر, فان لكل عصر سياسته و حكايته الخاصة به.

عناصر السياسة كثيرة, لكن ابرزها عنصر : القوة و النفوذ و السلطة و الدولة و الصراع و التعاون و القرار و السلوك. و هذه العناصر, ليست عناصر الوحيدة. ومن ثم , فان السياسة تبدو مختلفة من عنصر الى اخر, فالبعض يركز على عنصر القوة و النفوذ , كاهم عنصر من عناصر السياسة , حيث لا يوجد مفهوم اكثر اهمية و محورية لفهم السياسة , من مفهوم القوة التي تعني القدرة على التاثير في القناعات و الخيارات. هذا التركيز على القوة يتجاهل عناصر مهمة اخرى كالسلطة و الدولة, التي هي نفس قيمة و اهمية الدولة, فالسلطة تعني امتلاك الحق المشروع في وضع القوانين, و ادارة الموارد و تحديد الموارد , كما انه لا يمكن فهم السلطة بدون السياسة, كما انه لا يمكن فهم السياسة بدون فهم السلطة, وهذه الاخير تتجسد في الدولة.
فالدولة عبارة عن مؤسسات تملك السلطة , و السلطة تمارس القوة و النفوذ, و لا تقبل التدخل في شؤونها و لا توجد سلطة فوق سلطتها و هي المحرك الاساسي للسياسة على الصعيد الوطني و الدولي.
الدولة مهمة لفهم السياسة , و القوة مهمة كمدخل الى علم السياسة.

المطلب الاول : التعريف الفلسفي للسياسة


يتركز التعريف الفلسفي بشكل كلي و نهائي على السياسة كغاية انسانية و مجتمعية و حياتية, وكون السياسة غاية فهي غير محققة على ارض الواقع و لا توجد سوى عالم المثل و المبادئ و في عالم الغيبيات, و هي صورة في العقل اكثر مما هي متجسدة في الواقع, و يمكن الوصول اليها في المستقبل لأنها غير موجودة في الحاضر.
صحيح ان حاكية السياسة بدات مع الانسان الا ان الفلاسفة هم اول من دون هذه الحكاية فالتعبير الفلسفي هو اقدم تعريف موثق و مدون الساسية.
فالتعريف الفلسفي الاغريقي يقول ان السياسة هي العمل الصالح و النبيل و الذي يتوجه الى الصالح العام و له علاقة بالجماعة و يرتبط بالاعتبارات الاجتماعية اكثر مما له علاقة بالفرد و الاعتبارات الشخصية و المصالح الذاتية الضيقة, المصلحة العامة هي الاهم في السياسة التي تتطلب الانعتاق من الانانية و الانغماس الكلي و الفطري في جماعة فكلما ابتعد الانسان عن الذات و المصالح الشخصية ازداد اقترابا من جوهر السياسة بالمعنى الفلسفي الذي يتضمن ان يمنح الانسان و قته و جهده في منفعة الاخرين و ينذمج في المصلحة العامة.

المطلب الثاني : التعريف الواقعي للسياسة


يشكل التعريف الواقعي للسياسة , رد فعل على التعريف الفلسفي ورفضا له و تجاوز لنقط ضعفه. وهو يزيل القدسية و العالة المثالية عن السياسة وكونها محتكرة من طرف النخبة الى ارض الواقع. فالسياسة حسب المنظور الواقعي تعني فن ادارة السلطة و ممارستها, وكيفية المحافظة عليها. اذن : فلا سياسة بدون سلطة و لاسلطة بدون دولة و لا دولة بدون سلطة. من هنا تكمن جادبية السلطة في ارتباطها بالتاثير و النفوذ و التحكم , اي من يملك السلطة يامر و ينهي و يطاع.
و التعريف الواقعي للسياسة برز قبل 500 سنة مع مكيافيللي الذي يعتبر الاب المؤسس لهذه المدرسة . وتتلخص نظرة مكيافيللي للسياسة باعتبارها : السعي من اجل الحصول على السلطة و البقاء في الحكم باي وسيلة.

المطلب الثالث : التعريف القانوني للسياسة


برز التعريف القانوني للسياسة مع بروز ظاهرة الدولة, التي تاسست في عصر القوميات في أوروبا في القرن 16 . وهذا التعريف القانوني يبحث عن السياسة حيثما ينبغي ان تكون في الدولة.
ان : جوهر السياسة في التعريف القانوني هي الدولة, ففي الدولة هناك القوة في اضخم معانيها و السلطة في اوضح صورها و السيطرة في جميع اشكالها. فجميع هذه العانصر تتجمع في الدولة اكثر مما تتجمع في اي ظاهرة سياسية اخرى, كما ان هذه الدولة هي التي تصنع القرارات وهي تعمل على تنفيذها.
وقد برز تعريف اخر قبل 300 سنة من بروز الدولة القومية , و يعتبر هوبز من ابرز المؤسسين للمدرسة الواقية, وحسب هذه المدرسة : فالسياسة هي الدولة , و كل نشاط له علاقة بعمل الدولة.

المطلب الرابع : التعريف السلوكي للسياسة


يعتبر التعريف السلوكي للسياسة من التعريفات المعاصرة , حيث برز بعد نهاية الحرب العالمية الثانية , و يعتبر ديفيد استون من ابرز المؤسسين لهذه المدرسة و المبلورين لهذا التوجه, و يرى اصحاب هذا التوجه بان السياسة : هي سلوك انساني من نوع ما و ان كل فرد في المجتمع يمارس السياسة , و يتميز هذا التعريف , بانه تعريف دقيق و اجرائي يفتح المجال الدراسات العلمية و المنهجية .
ان التعريف السلوكي هو رد فعل غاضب على محاولات حصر السياسية حصرا غير منطقي في الاطر القانونية و الدستورية و المؤسساتية للدولة, فتضيق السياسة في الدولة غير منسجم مع عصر التسييس, حيث اصبحت السياسة معولمة و منتشرة على الصيد العالمي و متغلغلة في الهواء.
ان اهم ما يتم التركيز عليه هو الانسان كمادة في السياسة في عصر اصبحت الحياة مليئة بسياسة و الدينة تضج بالسيلسة..., تقول الحكاية ان السياسة تبدا مع الانسان و تنتهي لديه , كما انها تنبع منه و تعود اليه , والانسان هو محور السياسة و يمكن فهمها بدون العودة اليه , ان السياسية يجب ان تعود الى الانسان بعد ان اختطفها التاريخ الرسمي و حصرها في الدولة ,فالانسان هو العقل في الدولة.
و اخيرا فالانسان سلوك سياسي يتجلى في الاهتمام بالشان العام و المشاركة السياسية.

المبحث الثالث : مستقبل السياسة


في سياق التطور و التارخي على مدى 2500 سنة , مرة السياسة من التفكير و التامل و الممارسة, بارعة تعريفات كبرى. نجد التعريف الفلسفسي)افلاطون(, التعريف الواقعي )مكيافيللي( , و التعريف الرسمي او القانوني )طوماس هوبز( التعريف السلوكي )دافيد استون(.
جاءت عدة محاولات لمعرفة اين تتجه السياسة و هي على النحو التالي :
- محاولات العودة الى العدالة كما هو الشان بالنسبة للمفهوم الفلسفي .
- محاولات اخري للعودة الى الدولة كما هو الشان للمدرسة القانونية.
- ثم هناك شوق وحنين للرجوع الى مكيافيللي , و خاصة الى مفهوم السلطة التي لم تفقد جادبيتها في اي وقت من الاوقات
- رغم المحاولات الفلسفية و النظرية القديمة و الجديدة للتعريف بها و التعرف اليها تضل السياسة ظاهرة عصيبة الفهم, فحكاية السياسة لم تتجلى و لغزها ينكشف بعد , واسرارها و اوهامها اكثر بكثير من حقائقها .
لا احد يعرف الى اين تتجه السياسة في المستقيل و لا احد يستطيع ان يتكهن كيف ستنتهي حكاية السياسة في ضل العولمة, وهناك محاولات فلسفية للعودة الى العدالة لكنها محاولات ضيقة.

الفصل الثاني : السياسة علما و فنا


ان السياسة في جلها دنيا فن الممكن يتعلم فيها الانسان فنون الاخد و العطاء و المناوة و المساومة للحصول على ما يمكن الحصول عليه. لكن السياسة هي علم اكثر مما هي فن بالنسبة لعالم السياسة الذي يخضع الظواهر السياسية للدراسة و التحليل و يبحث عن قوانين السياسية و قواعدها و ثبوتها بنوع من الحياد و الموضوعية بعيدا عن الحماس و العاطفة و الخطاب السياسي.
ان الفروق شاسعة بين السياسة كعلم و السياسة كفن.
فعالم السياسة يتعامل مع قوانين و القواعد و السلوك السياسي باعتباره سلوكا منظما و هذه الصورة تختلف عن كون السياسة مسرحا للعب ورقة الشطرنج باعتبارها فنا يعكس الاحساس و الافعال.

المبحث الاول : علم السياسة


ان علم السياسة كاي علم اخر هو الذي يحاول فهم الظواهر السياسية , فتعريف علم السياسية ليس كتعريف السياسة.
وهناك تيارين تناولا موضوع علم الساسية وهما :
التيار الاول : يعرف بالتيار التقليدي و هو يعتبر السياسة فرع من فروع العلوم الاجتماعية يتناول بالدراسة و التحليل مجموعة متداخل من الموضوعات و الظواهر و الحقائق ذات العلاقة بالدولة و السلطة و القوة و الحكومة و المؤسسات السياسية و خاصة مفهوم الدولة . فالدولة هنا هي المادة التحليلية الاولى و ان اهمية الدولة و السلطة تشكل موضوعا حيويا لدراسة علم السياسة .
اما التيار الثاني : فهو تيار معاصر وعلمي يعتبر ان علم السياسة هو ذالك الفرع من العلوم, الذي يسعى الى اكتشاف قوانين السياسة الذي يعتبر شبيه بالعلوم الطبيعية, وان البحث عن علم السياسة هو البحث عن قوانينها الكونية الثابتة القريبة من قوانين الرياضيات و الفيزياء.
و يعود الفضل الرئيسي في استقلالية و علمية علم السياسة الى المدرسة السلوكية التي اكتسحت العلوم الانسانية و التي اثرت بشكل كبير و حاسم في علم السياسة. و يدعو المنهج السلوكي الى ضرورة تحرير علم السياسة من الدراسات الفلسفية و القانونية , و الابتعاد عن المواقف الذاتية و الاكتفاء بدراسة الحقائق الساسية و السلوكية, عبر الملاحظة و التجرد و الحياد العلمي. وهذا المنهج السلوكي شكل ثورة منهجية و احدث اضافة نوعية الى علم السياسة تمثلت في ابتعاد الدراسات السياسية المعاصرة عن الدراسات الوصفية و التقرب من الدراسات التحليلية .

المبحث الثاني : علاقات علم السياسة


ان التاسيس لعلم السياسة جديد يتطلب اجراء مراجعة نقدية شاملة لواقع هذا العلم و لأولوياته البحثية و مناهجه و حقوله و لكن الاهم في كل هذا فان التأسيس لعلم السياسة الجديد يتطلب اكثر ما يتطلب الاستقرار النظري و المنهجي الذي يتحقق لعلم السياسة في كل تاريخه القديم و الحديث.
فقد كان علم السياسة في وقت من الاوقات على علاقة وثيقة بالفلسفة التي كانت هي اهم العلوم و المعارف. ورغم ان مكيافيللي هو اول من حاول فصل علم السياسة عن الفلسفة, الا ان الفصل الكامل لم يتحقق الا مع بروز عصر التنوير و النهضة في اوربا , وانتهت علاقة السياسة بالفلسفة نهائيا اثر دخول البشرية عصر الصانعة و الحداثة و الانفجار المعرفي .
فقد مر علم الساسة بعدة علاقات جانبية قبل ان يجد ذاته و يحقق استقلاليته. و كانت لولى علاقاته الجانبية مع القانون , التي اتسمت بكونها علاقات اندماجية. و تعويضية عن الانفصال المؤلم عن هيمنة الفلسفة. لكن علم السياسة لم يجد في التاريخ ما يشبع احتياجاته و لم يجد في المنهج التاريخي ما يغني مادته ولم تؤدي العلاقة بينهما الى تطور ملموس , حيث تم استبدال التاريخ بالاقتصاد الذي هو الجار الاقرب الى علم السياسة .
اذن فلا يمكن تخيل الاقتصاد بدون سياسة و من الصعب الحديث عن السياسة بدون العودة الى الاقتصاد. لكن رغم العلاقة مع الاقتصاد مازالت مستمرة الا انها ليست قوية كما كانت في السابق.

الفصل الثالث : السياسة فكرا و سلوكا


يعتبر الفكر السياسي هو المنبع و الاصل و الاساس الراسخ لعلم السياسة , و ان علاقة السياسة بالفكر السياسي هي علاقة الشجرة بجذورها, لذلك فان وظيفة الفكر السياسي هي تثبيت علم السياسة و تغديته بالافكار و المفاهيم و التصورات و النظريات و التساؤلات الكبرى.
ويبدو ان البعض ينظر الى الفكر السياسي كانه تراث فلسفي لعلم السياسة الذي يحتوي على النظريات و التاملات و الكتابات و المؤلفات الفلسفية القديمة لكنها لن تعد تلائم الوقائع السياسية و الحياتية المعاصرة و المتجددة في عصرنا الراهن.

المبحث الاول : افلاطون نموذجا


يعتبر افلاطوم هو المؤسس للفكر السياسي الغرب. وقد بدا عمله مع فاجعة اعدام سقراط التي كانت مأساة شخصية و مجتمعية مزدوجة, فهو تلميذ سقراط ومن اقرب المقربين اليه ومن اكثر المعجبين بصفاته الاخلاقية ومن اكثر المتحمسين لافكاره الاصلاحية. وعلى اثر هذه الاحداث كان السؤال الملح الذي فرض نفسه على افلاطون : هو كيف يحدث هذا في اثينا؟ وفي سياق هذه الظروف كتب افلاطون كتابه " الجمهورية الفاضلة" و التي كانت بمثابة العلاج الامثل لازمة الفساد في اثينا, يقول افلاطوم : " ان الحل يكمن في العدالة و المجتمع العادل" وفي هذا الاطار اعلن افلاطون تاسيس اكاديميته الخاصة لتربية قادة و زعماء و فلاسفة المستقبل.

المبحث الثاني : مكيافيللي نموذجا


ولد مكيافيللي في فلورنسا الايطالية في 3مايو 1469 من اسرة ارستقراطية , حيث كان والده محامايا و متحمسا للحكم الجمهوري و معارضا للحكم الاستبدادي.
لذلك حول مكيافللي في كتلبه الامير , وكتابه الذي حمل عنوان " مقالات في السياسة" ان يقدم مجموعة من النصائح العلمية للحاكم حول ممارسة, ومن اجل تحقيق الاهداف النبيلة لا باس من اللجوء الى العنف و القوة و الحيلة ووضع الاعتبارات الاخلاقية جانبا بعض الوقت الى ان تنهض الامة و تتاسس الدولة الموحدة و القوة و المستمرة و المستقلية.

المبحث الثالث : ابن خلدون نموذجا


هو من روائع الفكر السياسي الانساني و الذي يحمل مكانة فريدة و خاصة في التاريخ الفكر العربي و الاسلامي, فهو من اكثر المفكرين العرب اصالة و عمقا و موسوعية في اهتماماته التي شملت التاريخ و السياسة و الفلسفة و القانون و الاقتصاد.
وقد شكلت حادثة الاطاحة به من منصب الحاجب, بالاضافة الى غرق اسرته في البحر, تقلة نوعية في حياته السياسية و اثرت بعمق في فكره و سلوكية.
و الواقع ان اب خلدوم عاصر و شاهد أفول شمس الحضارة الاسلامية عن المشرق العربي و المغرب العربي. ومن المنطلق طرح ابن خلدون السؤال المثير حول اسباب انهيار الحضارة العربية و الاسلامية بعد ان بلغت مداها من العظمة و المجد و التوسع. حينها شعر ابن خلدون انه يعيش ازمة حضارية كبرى و ان الاوضاع في عصره ليست طبيعية و ان الاحضارة الاسلامية تحتضر , فوجد ابن خلدون ضالته في مفهوم العصبية و توسع في الحديث عنها ووجد انها معبرة عن خصوصية الواقع العربي و الاسلامي, هذا من جهة. ومن جهة اخرى ركز ابن خلدون بشكل خاص على ثنائية البداوة و الحضارة و على دور البداوة و الحضارة و اعتمد ان كل شيء ينطلق من الصحراء و كل شيء يعود الى الصحراء.
و يعتقد ابن خلدون ان العصبية هي اهم مصدر قوة البدو وبدونها يستحيل بناء العمران و الدولة. لكن الاستقرار في المدينة و الانفتاح و التلاحق تؤدي كلها بضرورة الى تراخي العصبية و من ثم الانحطاط الذي لا مفر منه, اذن حركة الحضارة تبدا في شكل دورة كاملة من البدواة الى الحضارة و من ثم تعود البداوة لتؤسس من جديد الحضارة.

القسم الثاني : الوسط السياسي و التفاعلات السياسية

الفصل الثاني : الراي العام

المبحث الاول : تعريف الراي العام


ان الراي العام يفترض توافر ثلاثة عناصر :
الاول : وجود قضية واحة و محددة المعالم تتطلب اتخاذ موقف معين او تستدعي تكوين وجهة نظر محددة حول طبيعتها.
الثاني : توافر حد ادنى من المعلومات نسمح للافراد بتكوين وجهات نظر مختلفة حولها كل حسب اجتهاده و تقديره.
الثالث : ان يتم التعبير عن وجهة النظر هذه و الافصاح عنها علانية.

ولكي تحول الراي من راي فردي الى راي "عام" يلزم ايضا توافر ثلاثة عناصر :
الاول : ان يتعلق الراي بقضية تقتصر على مصلحة خاصة لفرد او حتى مجموعة من الافراد.
الثاني : ان تكون القضية موضوع الراي المعبر عنه محل اهتمام مشترك من جانب الجماعة ككل او اغلبية الافراد فيها.
الثالث : ان تكون هذه القضية موضوعا لنقاش وجدل علني يمكن رصده وتبيين معالمه و تحديد اتجاهاته.
ان قضايا الراي العام تفترض بالضرورة اجماع حولها او انها قضايا لا تحتمل الاختلاف.

المطلب الاول : وسائل قياس الراي العام


تختص بعض مراكز و الدراسات, و خاصة في الدول الديمقراطية المتقدمة. في رصد و قياس الراي العام. ويتم من خلال الاستقصاء , اي عن طريق استطلاع الراي الجمهور المعني مباشرة بالقضية المطلوب معرفة موقفه منها. وكانت بعض المراكز و المعاهد الامريكية اشهرها )جالبو( اول من استخدمت الاستحصاء للراي العام , وهي تتمتع بسمعة طيبة اكتسبتها من خلال دقة تنبئاتها و خاصة في المسائل الانتخابية.
فالاصل ان مراكز و معاهد استطلاعات الراي نشات و ازدهرت عندما ظهرت الحاجة الى استخدام ادوات للتعرف على مواقف الراي العام من مختلف القضايا العامة .

المطلب الثاني : " صناعة" و تشكيل الراي العام


تساعد عوامل كثيرة على تشكيل اراء الافراد و جهات نظرهم حول مختلف القضايا. بعض هذه العوامل يتعلق بالسمات العضوية او الشخصية للفرد كالاصل العرقي و اللغة و الجنس و الدين و النشأة الاجتماعية, وكذلك الخبرة الذاتية و التجربة الشخصية للفرد. وبعضها الاخر يتصل بالسمات المجتمعية التي تنجم عن الاحتكاك والاتصال و الحوار مع الجماعات و التنظيمات المختلفة.
ويتكون الراي العام كمحصلة للتفاعل بين هاتين المجموعتين من العوامل في اطار مجتمع له خصائص ديمقراطية و ثقافية و اجتماعية و اجتماعية و قومية معينة.

وتمر عملية تشكيل الراي العام بمراحل متعددة يحددها بعض الدارسين بخمس مراحل , وذلك على النحو التالي :

المبحث الثاني : مراحل تشكيل الراي العام

المطلب الاول : مرحلة الادراك


و هي المرحلة التي يبدأ فيها وعي الفرد بوجود مشكلة او قضية ما و تولد صورة اولية عن هذه المشكلة في ذهنه. و يتاثر الفرد في ادراكه , هذا بعوامل كثيرة بعضها يرجع الى شخصية الفرد, و ثقافية, و بعضها الاخر يعود الى الثقافة السائدة في المجتمع و الى عوامل وطنية و تاريخية وقومية, و على سبيل المثال فان استطلاعات الراي حول التطبيع مع اسرائيل تتاثر بشدة بعوامل مجتمعية و ثقافية و حضارية اكثر من تاثرها بعوامل فردية او شخصية.

المطلب الثاني : مراحل الصراع


و هي المرحلة التي ينتقل فيها الوعي الفردي بقضية ما من مرحلة الادراك الذاتي بوجودها الى مرحلة التعبير الخارجي عن موقف متبلور بشانها. وقد تمر مرحلة الصراع بعدة مراحل فردية . ففي مرحلة اولى قد ياخد الصراع شكل اندلاع تناقضات و ظهور مصالح متعارضة يتعين الترجيح بينها و حسم الامر في وعي الانسان اولا قبل بلورة موقف بشأنه.
وفي مرحلة تالية ينتقل الصراع من مرحلته الذاتية , ليحتك و يتفاعل مع الجماعة و تظهر مصالح او ارتباطات اخرى يتعين اخدها في الاعتبار و من ثم يتعين على الفرد ان يحاول تكييف موقعه مع موقف الجماعات التي يحتك بها في اطار تفاعلاته مع الاخرين في الاسرة و في العمل و في المنطقة السكنية, وفي هذه المرحلة يجد الفرد نفسه مضطرا لان يعلن عن موقفه و يعبر عنه و يحاول حشد التاييد له.

المطلب الثالث : مرحلة البلورة او التركيز


وهي المرحلة التي يصبح فيها الموقف حلا لنقاش و جدل علنيين سواء اقتصر هذا النقاش على المستوى الفئوي او اخد شكلا نظاميا نتيجة للارتباطات السياسة للفرد وطبيعة القضية المطروحة للجدل و المطلوب تحديد موقف بشانها . وفي هذه المرحلة تتضح ابعاد القضية بمختلف جوانبها كما تتضح النتائج المترتبة على المواقف المحتملة للفرد و تاثيرها على مصاله المختلفة المادية و المعنوية من خلالها تظهر الشرائح المؤيدة و المعارضة و المحايدة و يصبح الراي العام مكتملا.

المطلب الرابع : مرحلة القبول العام


و هي المرحلة التي يظهر فيها ان قضايا معينة قد لاقت قبولا عاما يكاد يصل الى حد الاتفاق, وعلى سبيل المثال فقد تمسكت الاغلبية الساحقة من الشعب المصري بعدم " التطبيع" العلاقات مع اسرائيل طالما ظل الموقف الاسرائيلي من عملية السلام متعنتا و رافضا للانسحاب من جميع الاراضي العربية عام 1967 و اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
في هذه الحالة يفرض الراي العام سطوته و يجعل هامش المناورة المتاح امام الحكومة في حالة رغبتها في احداث تحول فيه امرا صعبا و غير ميسور.

المطلب الخامس : مرحلة الشمول و الاستقرار في الوعي الجماعي للامة


يعتبر الري العام تعبير عن راي الجماعة حول قضية معينة في لحظة معينة, وبالتالي يمكن ان يحدث تغير سريع لموقف الجماعة من نفس القضية بعد قترة طويلة او قصيرة اذا استجدت عومل اخرى.

المبحث الثالث : انماط الراي العام


ان الموقف الراي العام من القضايا المحلية او الاقليمية او العالمية المطروحة عليه يختلف من مجتمع الى اخر و من قضية الى اخرى و من وقت الى اخر. لان العوامل المجتمعية تؤثر تاثيرا كثيرا في تشكيل الراي العام.
وفي داخل كل من هذه المجتمعات فان طرح نفس القضية لاستطلاع موقف الراي العام بشانها في نهاية التسعينيات لا بد و ان يعطي نتائج مختلفة عن نتائج الاستطلاعات التي ربما تكون قد جرت في بداية و في منتصف التسعينيات . و لكن يمكن القول بصفة عامة ان توزيع شرائح مواقف الراي العام في المجتمع معين من قضية معينة لا بد و ان ياخد احد الانماط او الاشكال الثلاثة التالية او قريبا منها :

المطلب الاول : منحنى التوزيع الطبيعي


منحى التوزيع الطبعي ياخد شكل جرس منتظم تتوزع عله مواقف الشرائح المختلفة بين التاييد و المعارضة بحيث تكون هناك أقلية متطرفة في تاييدها او في معارضتها.

المطلب الثاني : منحنى التوزيع غير الطبيعي


منحنى التوزيع غير الطبيعي ياخد شكل جرس مقلوب او حرف "u" و تعكسه القضايا التي تثير استقطابا حادا في المجتمع مثل قضايا حمل السلاح او الاجهاض في المجتمع الامريكي او غيرها من القضايا و التي تصبح فيها الاغلبة اما مؤيدة بشدة او معارضة بشدة, بينما ينحصر الراي المعتدل حولها انحسارا كبيرا.

المطلب الثالث : المنحنى المستقر


و هو الشكل الذي يعكسه موقف الراي العام من القضايا غير الخلاقة او المثيرة للجدل الحاد و التي يتبلور حولها موقف يقترب من موقف الاتفاق او الرضاء العام حيث تكون هناك مجموعة ضئيلة تمثل اقلية واضحة تخرج عن الخط العام للجماعة في هذا الاتجاه او ذاك.


الفصل الثالث : الاحزاب السياسية

تمهيد :


اصبحت الاحزاب السياسية جزءا لا يتجزا من ظاهرة السياسة, في حين انها لا ترتبط بنظام سياسي او اجتماعي او اقتصادي او اديولوجي معين و انما توجد الاحزاب السياسية في كل دول العالم الديمقراطي و غير الديمقراطي, الغنية و الفقيرة, الراسمالية و الاشتراكية, الكبيرة و الصغيرة , و القوية و الضعيفة.

المبحث الاول : تعريف الحزب السياسي


يختلف تعريف الحزب السياسي باختلاف الباحثين الى الدرجة التي قد يكون لكل باحث تعريفه الخاص.
يمكن القول ان الحزب السياسية هو مجموعة منظمة من الافراد المتقاربين فكريا, ولديهم رؤية و برنامج لادارة شؤون الدولة و المجتمع , و يعملون على الوصول الى السلطة لوضع برنامجهم السياسي موضع التطبيق. لكن هذا التعريف غير جامع , فان التنظيم و البنامج السياسي و العمل على الوصول الى السلطة هي اهم العناصر و الشروط التي يجب ان تتوفر لقيام الحزب.

المطلب الاول : الاطار التنظيمي


يفترض ان يكون لكل حزب اطار او هيكل تنظيمي و اداري يحدد المستويات القيادية للحزب و فروعه و لجانه المختلفة و شبكة الاتصال بين المستويات العليا او المركزية و بين المستويات الدنيا او الإقليمية و المحلية, وان يكون للحزب مقر وسجلات ولوائح تنظم العضوية و النشاط و النواحي المالية. لكن معنى ذلك انه يشترط لقيام الحزب ان يتصف هذا التنظيم بالقوة و الانتشار. ولا يشترط ان يتصف هذا التنظيم بالفعالية و القدرة على التبعية و الحشد. ولا يشترط ايضا ان يكون الحزب كتنظيم قادرا على الاستمرار و البقاء لفترة طويلة. ذلك ان عمر التنظيم ليس عنصر من عناصر قيام الحزب, فقصر عمر الحزب من الناحية التنظيمة لا ينتقص من صفته كحزب.

المطلب الثاني : البرنامج السياسي


لكل حزب برنامج سياسي يحدد فيه افكاره و مواقفه لا من القضايا المطروحة على الساحتين المحلية و الدولية و اسلوبه في معالجة او في التعامل مع هذه القضايا. و يعتبر البرنامج السياسي للحزب هو الاداة الرئيسية لاقناع المواطنين بان خطه السياسي مختلف و متميز عن خط الاحزاب الاخرى. وان استمالة اغلبية المواطنين و اقناعهم بصحة و اهمية برنامجه يعد الهدف الرئيسي لاي حزب سياسي , فمن الطبيعي ان تحتل البرنامج السياسي موقعا مركزيا ضمن العناصر و الشروط الاساسية اللازمة لقيامه.

المطلب الثالث : هدف الوصول الى السلطة


ان الوصول الى السلطة يعد لاي حزب سياسي هدفا و وسيلة في ذات الوقت. اما من حيث انه هدف فلان اي تنظيم لا يستهدف الوصول الى السلطة لا يعد حزبا. و هذا هو العنصر الرئيسي الذي يميز الحزب السياسي عن غيره من التنظيمات الاجتماعية الاخرى وعلى راسها جماعات المصالح. اما من حيث الهدف ان الوصول الى السلطة وسيلة , فلان الحزب لا يجب ان يقصد السلطة لذاتها و انما لتطبيق تصور فكري او برنامج معين, فالحزب الذي يطرح نفسه باعتباره يقصد السلطة لذاتها لا يستطيع ان يحظى بثقة الناخبين.

المبحث الثاني : نشاة الاحزاب


ارتبطت نشاة الاحزاب ارتباطا عضويا بالمسالة الديمقراطية و تطورت مع تطور نضال الشعوب ضد الاستبداد و الطغيان. ومن هذا المنطلق فمن الطبيعي ان يكون لكل مجتمع تجربته الحزبية الخاصة التي قد تتشابه في بعض جوانبها او تختلف في بعضها الاخر مع تجارب غرها من الشعوب. ففي الدول الغربية تعتبر النظريات المؤسسية او البرلمانية هي القدر على تفسير نشاة الاحزاب , بينما تعتبر نظريات الموقف التاريخي و ازمات التنمية هي الاقدر على تفسير نشاة الاحزاب السياسية في الدول العالم الثالث.

المطلب الاول : في الدول الغربية


بدات نشاة الاحزاب السياسية في الدول الغربية كنتيجة طبيعية و منطقية لتطور الحياة الديمقراطية, والتي اصبحت السلطة التشريعية بما تتطلبه من انتخابات حرة نزيهة تناقش فيها مختلف التيارات هي محركها الاساسي .
ففي المراحل التكوينية الاولى لنشاة المجالس و الهيئات التشريعية في الديمقراطيات الغربية المتشكلة من النخبة و الصفرة, ظهرت مجموعات برلمانية متميزة و متنافسة كان محور التحزب يدور حول الاصل الاجتماعي "الارتقراطية" او حول الانتماء الجغرافي او الاقليمي.
غير ان ظهور الافكار الاشتراكية الثورية ركزت على نقد النظام الراسمالي و التركيز على عيوبه و مساوئه و بالتالي على عيوب و مساوئ الليبرالية السياسية , مما ادى الى ظهور احزاب سياسية خارج البرلمانات الغربية. وقد حاولت هذه الاحزاب استمالة الطبقات العمالية التي تضررت كثيرا من نظم الانتاج و الادارة التي ارتبطت بالثورة الصناعية و ما صاحبها من بأس و من مشاكل اقتصادية و اجتماعية حادة.
لكن ظهور الاحزاب الشيوعية في اوربا الغربية و تبنيها للافكار الماركسية ادى, و خاصة ابان الثورة البلشفية في روسيا البلشفية 1918, الى احداث انقسامات حادة في صفوف الاحزاب العملية و الاشتراكية الديمقراطية في اوربا الغربية.
فالاحزاب التي نشات داخل البرلمان هي احزاب تؤمن بقيم التعدد و النافسة الحرة و المفتوحة و قبول الراي و الراي الاخر وتكن احتراما كبيرا للبرلمان و دوره في الحياة السياسية, اما الاحزاب التي نشات خارج البرلمان فهي احزاب تؤمن بالعمل الجماهري المباشر و تعول عليه في احداث التغيير اكثر مما تعول على العمل البرلماني , وهي احزاب تتصف عموما بقوة التنظيم ودقته و سعيه نحو الانتشار و تكوين خلايا في اوساط الجماهير او الفئات القابلة لتفهم افكاره و برنامجه و لها مصلحة في و ضعها موضع التطبيق.
فالواقع انه توجد اسباب اخرى لنشاة و تطور الحزاب السياسية في المجتمعات الغربية تتعلق بالثقافة السياسية السائدة و التنشئة السياسية المختلفة.

المطلب الثاني : في دول العالم الثالث


خضعت معظم دول العالم الثالث لمرحلة طويلة من الاستعمار المباسرة في نفس الفترة التي كانت فيها عملية الديمقراطية النيابية في الدول الغربية في اوجه مراحل ازدهارها و تطورها و على الرغم من ان العديد من دول العالم الثلث نقلت كثيرا من فنون و اساليب الحكم الغربي. ففي حالات كثيرة ارتبطت نشاة الاحزاب سياسية بحركات التحرر حيث تحولت الحركات التي قادت عملية التحرر الوطني الى احزاب سياسية سواء قبل او بعد الاستقلال. وبما في ذلك نشاة الاحزاب بسلسة من الازمات واكبت عملية التحرر الوطني في مرحلة قبل الاستقلال ثم عملية التنمية في مرحلة ما بعد الاستقلال. و يمكن اجمال اهم هذه الازمات على النحو التالي :

اولا: ازمات الشيوعية

و يقصد بها الازمة الناجمة عن التشكيك في جدارة و أحقية السلطة على تسيير شؤون الدولة و الحكم اما بسبب خضوع هذه السلطة لادارة اجنبية او بسبب اغتصاب السلطة بوسائل و طرق غير قانونية.

ثانيا : ازمات التكامل القومي :

ويقصد بها الازمات الناجمة عن تعرض وحدة التراب الوطني للخطر بسب رغبة الجماعات ذات اصول عرقية او طائفية او دينية او قبلية الى الانفصال و الاستقلال. وهذه الازمات تتيح ظروفا مواتية لنشاة احزاب وحدوية, او لنشاة احزاب طائفية.

ثالثا : ازمات المشاركة و التوزيع

ويقصد بها الازمات الناجمة اما عن عجز السلطة القائمة عن توفير قنوات المشاركة السياسية لجماعات, او عن عجز السلطة عن توفير هذين المطلبين معا اي المشاركة السياسية و التنمية المتكافئة.

المبحث الثالث : انواع الاحزاب السياسية


يمكن الاستناد الى مجموعة من المعايير للتميز بين الاحزاب السياسية من هذه المعاير ما يتعلق بطبيعة و نوعية العضوية في الحزب , ومنها ما يتعلق ببنية الحزب الداخلي و هيكلي التنظيمي, ومنها ما يتعلق بظروف ما يتعلق بظروف نشاة الحزب و نشاطه و طبيعة القوى الاجتماعية المؤيدة له.

المطلب الاول : وفقا لمعاير العضوية : احزاب الجماهير و احزاب النخبة


هناك احزاب تركز على العضوية الفردية و تصبح صلتها بالجماهير مباشرة, و هناك احزاب اخرى تركز على الجماعات المنظمة, مثل النقابات و الجماعات المهنية و التعاونيات و غيرها بتالي تصبح صلتها مع الجماهير غير مباشرة. وفي هذا السياق يمكن التميز بين نوعين رئيسيين من الاحزاب :
~ الاحزاب الجماهيرية : )مثل الاحزاب الاشتراكية او الشيوعية( تتميز بكثر عدد الاعضاء و تتوجه ببرامجها التثقيفية و التدريبية اليهم لتنتقي منهم العناصر القادرة على تولي المسؤلية و الادارة. ويتعين للانضمام للحزب تقديم طلب رسمي و تسديد اشتراك العضوية. و تزداد اراداته و قدرته على الحركة و التاثير كلما زاد عدد الاعضاء.
~ احزاب النخبة او الكاد : فهي احزاب تركز في عضويتها على اصحاب المكانة الاجتماعية او الادبية المرموقة و اصحاب الجاه الذين يستطيعون بفضل نفوذهم المادي او المعنوي تمويل الحملات الانتخابية او التاثير على اصوات الناخبين . وهي في العادة لا تاخد باسلوب الانضمام الرسمي و لا يحمل اعضاؤه بطاقة عضوية او يلتزمون بتسديد اشتراكات دورية.
غير ان من الناحية العملية يلاحظ ان الفوارق بين الاحزاب الجماهرية و الاحزاب النخبوية تتوجه نحو التلاشي الى درجة انه اصبح من الصعب التمييز بينهما فهناك احزاب جماهرية, والتي يفترض ان تكون العضوية فيها فردية, تجد انها تعتمد على العضوية الجماعية, والتي يفترض ان تكون العضوية فيها فردية , تعتمد على العضوية الجماعية من خلال النقابات و التعاونيات، مثل الحزب العمالي البريطاني .

المطلب الثاني : وفقا لخصائص البنية التنظيمية؛ الاحزاب الجامدة و الاحزاب المرنة


يقصد بالاحزاب الجامدة تلك التي لا يسمح للتنظيمات و الاجهزة المحلية باي درجة من الاستقلال في علاقاتها بالمستويات الاعلى خاصة بالمستوى المركزي او بالقيادة العليا. و تتسم هذه الاحزاب بالمركزية الشديدة في عملية صنع و تنفيذ السياسات و القرارات, وبضرورة انصياع المستويات الادنى للمستويات الاعلى, وخاصة في مرحلة تنفيذ السياسات و القرارات التي اقرها الحزب, اضافة الى الانضباط الحزبي و عدم السماح بالخروج عن توجيهات الحزب.
اما الاحزاب المرنة فتسمح بقدر ما تعدد الرؤى و الاجتهادات و بدرجة ما من الاستقلال و حرية الحركة سواء في علاقات المستويات التنظيمة الادنى بالمستويات الاعلى او في علاقة التكثلات و التيارات الداخلية في الحزب.

المطلب الثالث : وفقا لمعيار الولاء ؛ احزاب الاشخاص و احزاب البرامج


و يقصد باحزاب الاشخاص تلك التي تعتمد في قيامها وفي فعاليتها على شخص الزعيم بقدرة الاقناع و التاثير و التعبئة و الحشد و تصبح العلاقة بين اعضاء الحزب و انصاره نوعا من الولاء لشخص زعيم الحزب او اقتناعا بمهاراته و قدراته. يرتبط استمرار الحزب و قدرته على الحركة و النشاط و التاثير بحياة الزعيم و ينهار بموته او باعتزاله للعمل السياسي لاي سبب من الاسباب.
اما احزاب البرامج فهي تعتمد في حشد الولاء و التاييد على قوة الفكرة بكثير مما تعتمد كاريزما الفرد و قدرته السياسية. وعلى اقناعها الجماهير ببرنامج الحزب و مواقفه تجاه قضايا الداخل و الخارج باكثر مما تعتمد على الولاء الفرد. و بالطبع فان قدرة احزاب البرامج على الاستمرار اكبر من قدرة احزاب الاشخاص.

المطلب الرابع : وفقا للالتزام الايديولوجي ؛ احزاب العقائد و احزاب البرجماتية


يقصد بالاحزاب العقائدية تلك التي تحدد سياستها انطلاقا من رؤية ايديولوجية سياسية لو عقائدية دينية معينة تشكل اطارها الفكري المرجعي كالاحزاب الاشتراكية او الشيوعية في اوربا الغربية التي تطمح الى اقامة مجتمعات بديلة للمجتمعات الراسمالية القائة على الاستغلال و المصلحة الفردية. او كحزب الله و بعض الاحزاب الاصولية في العالم الاسلامي التي تطمح الى اقامة مجتمعات تقوم على ما تتصور انه " المبادئ الاسلامية الصحيحة".
اما احزاب البرجماتية فتحدد سياستها استنادا الى معطيات اللحظة الراهنة و تقدير صناع القرار في الحزب لمصالح الحزب السياسية على المدى القصير و البعيد و هي احزاب اصلاحية بطبيعتها فهي و ان كان بعضها يطمح للتغيير التدريجي داخل المؤسسات او النظام القائم و ليس من خارجه و لذلك يسمى هذه الاحزاب باحزاب التكيف.

المبحث الرابع : و ظائف و ادوار الاحزاب


ان الهدف الرئيسي لكل حزب هو الوصول الى السلطة, و عندما يتحقق له هذا الهدف تصبح وظيفته هي الامساك بدفة الحكم و ادارة شؤون البلاد.

المطلب الاول : الاحزاب وصنع السياسة


تعتبر الاحزاب السياسية احد اهم ادوات صنع السياسات العامة على الصعيد الداخلي و الخارجي و بالذات عندما تكون في وضع يسمح لها بممارسة السلطة منفردة. ففي الدول الشيوعية يلعب الحزب الحاكم دورا بالغ الاهمية في مجال صنع السياسية, حيث يعتبر الحزب هو المركز الرئيسي لصنع القرار السياسي و تتضاءل الى جواره ادوار المؤسسات التشريعية و التنفيذية.
اما في دول العالم الثالث فعادة ما يكون الحزب الحاكم مجرد غطاء او واجهة سياسية لزعيم او لرئيس الدولة في التعبئة السياسية وفي حشد التاييد له, لكنه لا يلعب الا دورا ثانويا في عملية صنع القرار, مقارنة بالدور الذي يلعبه رئيس الدولة.
اما في النظم التعددية الديمقراطية فان الاحزاب هي التي تصوغ السياسات و البرامج العامة التي تخوض بها الانتخابات, وعندما يصل الحزب الى السلطة تلتزم الحكومة التي يشكلها الحزب بالخطوط العامة و العريضة لبرنامج الحزب و سياسته, لكن الحزب في عملية صنع القرارت السياسية اثناء تولي السلطة تتم من خلال المواقع التي يشغلها قادة الحزب في المؤسسات الدستورية و خاصة قي المؤسستين التشريعية و التنفيذية. وعلى صعيد اخر تشارك الاحزاب المعارضة بطرقة غير مباشرة في عملية صنع السياسة سواء من خلال الانتقادات التي توجهها لسياسات الحكومة او باعتبارها صاحبة برامج بديلة يمكن ان تشكل اساسا لصنع السياسة في مرحلة لاحقة.

المطلب الثاني : الاحزاب و المشاركة السياسية


يؤدي قيام الاحزاب الى تشجيع افراد و الموطنين على المشاركة في العمل العام و الاهتمام بالقضايا و الامور المتعلقة بشؤون حياتهم اليومية وبمستقبلهم. و تتجلى بداية الافاق الواسعة للمشاركة السياسية من خلال الالتحاق بعضوية الحزب و الاشتراك في الندوات و المؤتمرات التي يخصصها الحزب لمناقشة القضايا السياسية و التي تزيد من وعي المواطنين بهذه القضايا او الاشتراك في الحمالات الانتخابية و الدعاية لبرامج الحزب و افكاره و سياساته و حث المواطنين على التصويت لصالح مرشحيه.
و الواقع انه يتعين عند البحث في دور الاحزاب السياسية كاداة لتحقيق المشاركة السياسية ان نميز بين المشاركة الاختيارية او التلقائية المنبثقة عن رغبة حقيقية و اقتناع من جانب المواطنين و بين المشاركة الايجابية التي تتم من خلال عملية التعبئة المفروضة من جانب النظم الشمولية او الاحزاب الحاكمة في بعض دول العالم الثالث. لكن بعض القضايا لا يمكن ان تعبر عن جوهر المشاركة الحقيقية تجاه القضايا التي تهم النظام الحاكم.
ولا شك ان تعدد الاحزاب في اي نظام سياسي يولد حالة من الضغط و المد الشعبي الهادفين الى بلورة و تعميق المطالب الخاصة بالمشاركة السياسية وعادة ما تستثير هذه المطالب او التحديات الجديدة ردود فعل من جانب الحزب الحاكم او النخبة المستفيدة من الاوضاع المقيدة للحريات و المشاركة السياسية. وتختلف ردود الافعال باختلاف طبيعة النظام السياسي, وقد تاخد شكل الرفض الكمال او الاستقرار السياسي او القبول الجزئي لهذه المطالب.

المطلب الثالث : الاحزاب و الثقافة السياسية و التنشئة


تلعب الاحزاب السياسية دورا مهما في غرس مبادئ و قيم و معايير سياسية معينة و نقلها الى الجماهير, على هذا النحو فان نشاط الاحزاب قد يصب اما في اتجاه المحافظة على الثقافة السياسية السائدة و دعمها وهذه الحزاب منتشرت في المجتماعات الهشة التي تعاني من عد التجانس العرفي او اللغوي او الديني..., او في اتجاه تغيير منظومة القيم المشكلة للثقافة السائدة و خلق ثقافة جديدة تحل محلها كالاحزاب الراديكالية او الثورية التي تطمح في التغيير السياسي و الاجتماعي. وفي هذا السياق قد تكون الاحزاب احد العوامل التي تساعد في زيادة حدة الانقسامات او التخفيف من حدة التوترات.
ومن الجدير بالذكر ان بعض الدول العالم الثالث بررت سياساتها القائمة على رفض التعددية و الاخد بنظام الحزب الواحد من منطلق الحاجة الى استكمال عملية البناء القومي, اذ ارتبطت هيمنة الحزب الواحد بتجاوزات للسلطة لو بشيوع الفساد الذي يضر بالوحدة الوطنية اكثر مما تضر بها التعددية الحزبية. وخلاف ذلك فان التعددية قد تكون الضمانة الحقيقية للمحافظة على الوحدة الوطنية على المدى الطويل. ففي الولايات المتحدة الامريكية يلعب الحزبان الكبيران دورا مهما في تمكين النظام السياسي من اداء دورة بكفائة و فعالية , رغم بعض التحديات و توثر الاوضاع يبقى التعاييش و التقبل قائما على فكرة "الامة الامريكية" او " الحلم الامريكي".

المطلب الرابع : الاحزاب السياسية و إعداد القادة


تعتبر الاحزاب السياسية بمثابة معامل لتفريخ القيادات السياسية فهي التي تقوم بعملة التجنيد السياسي لعناصر قادرة على المشاركة و المساهمة في العمل الحزبي. ثم تقوم بعد ذلك بتدريب وصقل هذه الكفاءات من خلال المعارك السياسية و الانتخابية التي تخوضها, وتتيح لابرزها ان تشارك في قيادة الحزب بمستوياته التنظيمية المختلفة ثم في قيادة الدولة حين يتمكن الحزب من الوصول الى السلطة. وتختلف اساليب التجنيد السياسي و اعداد القادة باختلاف النظم السياسية . ففي الدول التي تاخد نظام الحزب الواحد يختلط دور الحزب بالدور الذي يلعبه جهاز الدولة و البيروقراطية الحكومية في عملية اختيار و تدريب وتصعيد القيادات. اما في الدول التي تاخد بنظام التعددية الحزبية وتقوم على التداول الفعلي للسلطة فان دور الاحزاب هو الاساس في عملية التجنيد السياسي وفي صقل و تدريب و اعداد الكوادر السياسية للقيادة.

المبحث الخامس : انماط النظم الحزبية


يقصد بالنظم الحزبية الاطار الذي يحدد هامش الحرية المتاح لوجود حركة الاحزاب و لطبيعة العلاقات و التفاعلات بينهما او بين الاجنحة المتنافسة في داخلها و تستند غالبية الدراسات الى معيارين متداخلين في الواقع لتصنيف الاحزاب و هما عدد الاحزاب و درجة المنافسة بينهما. فاذا استندنا الى معيار العدد يمكن تصنيف النظم الحزبية الى ثلاث انماط, نجد نظام الحزب الواحد, ونظام الحزبين , و نظام تعدد الاحزاب. اما اذا استندنا الى المعيار المنافسة فيمكن تصنيف النظم الحزبية الى ثلاث انماط نجد نظم تنافسية , ونظم التنافسية . و النظم التعددية الحزبية المقيدة.

المطلب الاول : نظام الحزب الواحد


وهو نظام يحتكر فيه حزب واحد السلطة دون منافس. ففي الدول الشمولية يتميز الحزب الواحد بكون يحكم من خلال رؤية ايديولوجية شاملة يحاول فرضها على الجميع. اما نظام الحزب الواحد في الدول النامية فهو نظام يستأثر بالسلطة و لا يسمح بأية معارضة ,لكنه يفتقر الى إيديولوجية متكاملة و عادة ما يكون اداة في يد شخص الحاكم.
تجدر الاشار ايضا الى وجود نمط ثالث و هو نمط الحزب القائد في اطار جبهة وطنية مكونة من عدة احزاب.

المطلب الثاني : نظام الحزبين


وفيه يتصدر حزبان كبيران المنافسة على الساحة السياسية, فنظام الحزبين الكبيرين هو في حقيقة الامر نظام متعدد الاحزاب على الصعيدين القانوني و السياسي, لكن عملية تداول السلطة بحكم تفاعلات الواقع و الثقافة السائدة , حكرا على حزبين فقط. ومن امثلة على هذا النمط كل من الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا.

المطلب الثالث : نظام تعدد الاحزاب


وهو نظام لا يتسم فقط بوجود احزاب كثير متنافسة في حلبة الصراع على السلطة وانما ايضا بتوافر فرص متكافئة لتداول او اقتسام السلطة بين اكثر من حزبين. فالحزب الذي يحصل على اكبر عدد من المقاعد هو الذي يخول له تشكيل الحكومة, امل اذا لم يتمكن اي حزب من الحصول على اغلبية مطلقة فيتعين في هذه الحالة تشكيل حكومة ائتلافية.
والواقع انه باستثناء الولايات المتحدة الامريكية و بيرطانيا فان التجربة الديمقراطية في الدول الغربية افرزت نظما تعددية حزبية.
ففي فرنسا استطاع الحزب الديجولي سنة 1958 ان يصبح اكبر و اهم الاحزاب السياسية الا انه لم يستمر في زعامة الاحزاب ليفسح المجال امام صيغ متعددة من الحكومات الائتلافية بين الاحزاب اليسارية و الاحزاب اليمينية.

المطلب الرابع : التعددية الحزبية المقيدة


يقصد بها النظام الذي لا تتاح فيه الحرية الكاملة سواء تعلق الامر بتشكيل الاحزاب او تمكين الاحزاب القائمة من ممارسة انشطتها دون عوائق , وينتشر هذا النوع من النظم في الدول العالم الثالث التي تمر بمرحلة انتقالية للتحول الى الديمقراطية.


الفصل الرابع : مفهوم جماعات الضغط



ان جماعة الضغط هي منظمة تهدف الي التاثير على سياسة الهيئات و المؤسسات الرسمية بما يتلائم مع اهدافها و مصالحها و هذه المنظمة لا تريد احتلال مراكز القوة و الحكم في الدولة.

و جماعات الضغط متعددة و متنوعة اهمها :
~ جماعات الضغط السياسية او اللوبيات : وهي جماعة ليس لها الا مصلحة سياسية بحثت مثل لوبي الكيان الصهيوني الذي يؤثر على سياسة الولايات المتحدة الخارجية ولوبي هذه الاخيرة يضغط من خلال الامم المتحدة على سياسات الدول السائرة في فلك السياسة الامركية و يجعها تؤيد المواقف المنحازة للولايات المتحدة بالنسبة للكيان الصهيوني . و هناك جماعات الضغط غير السياسية التي تتمثل في المنظمات المهنية و الشعبية كنقابات العمال و الاتحادات النسوية و الطلابية او اتحادات اصحاب الاعمال في الدول الغربية.
~ جماعات الضغط ذات اهداف انسانية و اجتماعية : وهي لا تستعمل وسائل الضغط على السلطة الحاكمة الا في حالتين : اولهما طلب المعونة المالية و الدعم, و ثانيهما مناقشة مشاريع القوانين التي تمس اوجه نشاطاتها.
~ جماعات الضغط ذات الهدف المححد : وهي مختلفة فمنها جماعات المبادئ او جماعات البرامج , ومنها جماعات المصلحة الخاصة
~ جماعات الضغط للدفاع عن مصالح الدول الاجنبية داخل الدولة : تنتشر بصفة خاصة في الولايات المتحدة الامريكية, حيث تعمد الدول الاجنبية الى تشكيل لوبيات لتاييد و دعم وجهات نظرها و الدفاع عن مصالحها.

ويختلف نشاط الجناعات و نفوذها باختلاف حجمها فكلما زاد حجم الضغط سهل عليها الاتصال بالسلطة الحاكمة و التاثير فيها, ولكن الحجم وحده لا يكفي معيارا لقوة الجماعة.

كيف تعمل جماعات الضغط ؟

تنتشر جماعات الضغط في الدول الغربية العظمى, وتستعمل اساليب في تحقيق اهدافها و مصالحها, تنعكس في التاثير و الاقناع و المراوغة والتهديد و الاستدراج و الرشورة و التضليل. وعندما تنجح جماعات الضغط في الوصول الى مصالحها و غايتها تنتهي مهمتها لكنها تستمر باستمرار المنظمات و الهيئات التي تمثلها وتدافع عنها. و تلعب جماعات الضغط دورا ملحوظا في رسم وتنفيذ سياسة الحكومة الداخلية و الخارجية, فجماعات الضغط التي تسمى بجماعات المصالح تعمل عادة باكثر من اسلوب لتحقيق مصالحها , فهي تتصل بالجهات الرسمية و غير الرسمية بطرق مختلفة كالصحف و الاعلام المرئي و السمعي. كما تعمل جماعات الضغط على التاثير بوسائل مختلفة على سياسية الدولة و منها السياسة الخارجية كتواصلها مع رجال الدولة مباشرة.
واخطر صورة تظهر فيها جماعات الضغط هي تلك المضللة التي فيها مواقفها اوسع من اهدافها. وهذه الصورة تضليل للراي العام و سلوك تستغل فيه المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة , ومن اشهر جماعات الضغط و المصالح جماعة الضغط الصهيوني و جماعة الفلاحين و الجماعة الكاثوليكية و جماعة رجال الاعمال و جماعة اتحا العمال.
و يجدر الوقوف على الوسائل التي تتبعها احدى هذه الجماعات و هي جماعة الضغظ الصهيونية وهي لا تمثل جميع اليهود و انما تمثل 10% كحد اقصى, فان ما تملكه من وسائل التنظيم المحلي و العالمي ما يفوق اية جماعة اخرى, و مقرها الرئيسي في مدينة نيويورك مقر هيئة الامم المتحدة, ومن اهم ما تمتاز به قوة تماسكها و غناها المادي و معرفتها الدقيقة بتفكير و سلوب الشعوب , اما اساليبها وصيغها الضغطية فهي اساليب شيطانية و ملتوية وخداعة تستغل نقاط الضعف, ومن وسائلها ايضا انها تنقسم على نفسها الى منظمات محلية و قطرية تحمل اسماء جذابة لتبعد اي شك عنها بانها منظمة صهيونية , ومن وسائلها الخبيثة انها تنتهز الفرص المواتية لجمع التبرعات لدعم الكيان الصهيوني. كما تستطيع ان تاثرعلى الكونكرس و الحكومة الامريكية للحصول على منح مالية.

لكن اساليب الضغط التي تستخدمها جماعات الضغط الاخرى لتحقيق اهدافها تختلف باختلاف النظم الياسية الذي تعمل فيه, وباختلاف طبيعة الهدف التي ترمي الى تحقيقه وهذه الاساليب هي )أ( الاتصال المباشربالحكومة, )ب( التاثير في اعضاء المجلس, )ج( تعبئة الاى العام.

أ- الاتصال المباشر بالحكومة

من ظواهر الحديثة في نظم الحكم ازدياد تدخل الحكومات بالنشاط الاقتصادي, وقد كان نتيجة ذلك ان ارتبطت مصالح الافراد ارتباطا و ثيقا بسياسة الحكومة مما يجل معظم النشاط الاقتصادي خاضعا للاشراف الحكومي.
ومن الطبيعي ان تتجه جماعات الضغط الى الاتصال باعضاء الهيئة التنفيذية لمحاولة التاثير فيهم كي يصدروا القرارت التي تتفق ومصالحها, ويتم هذا الاتصال بطريق مباشرة في انجلترا حيث تلجا الحكومة هناك الى مناقشة الجماعات المختلفة في القوانين المقترحة. اما في الولايات المتحدة الامريكية فتعتمد الجماعات الى اغراق رئيس السلطة التنفيذية بفيض من الرسائل و البرقيات لوقف تنفيذ قانون ما او وقف التصديق عليها او التصوية بحذف بعض المواد او اضافة مواد اخرى.

ب- التاثير في اعضاء المجلس

لا شكك ان المجلس هو الميدان الرئيسي لنشاط جماعات الضغط خاصة في الدول الرئاسية و الدول البرلماني التي تفوق فيها فيها قوة الحكومة, وقد يكون الغرض في التاثير في المجلس الحصول على الموافقة على تعديل دستوري مقترح او اسقاطه او الموافقة على مشروع قانون لو رفضه او تعديله, حسبما يتفق و سياسة الجماعة, وتستعمل جامعة الضغط وسائل عديدة اخرى للتاثير في المجلس منها تقديم الهدايا و الرشاوى للاعضاء.
ولجأت مجالس الضغط في الولايات المتحدة الى انشاء مكاتب خاصة في كل انحاء الدولة ومهمتها تزويد اعضاء الكونغرس بالمعلومات و تجميع الادلة عن القوانين المطلوب تشريعها , كما تعين جماعة ممثلا لها في الكونغرس مهمته الاتصال بالاعضاء الكونغرس المؤيدين لارائهم و امدادهم بالمال اللازم لمواصلة الحملة الانتخابية , رغم هذه الممارسات المحرمة قانونا تبث تداولها كثيرا في انتخابات الكونغرس او الرئاسة.


ج- جماعات الضغط و الاحزاب السياسية و الراي العام

قبل كل شيء يجب التميز بين جماعات الضغط و الاحزاب السياسية , فالاحزاب تنشا أصلا لبلوغ غرض سياسي , اما جماعات الضغط فتظهر لقضاء مصلحة اقتصادية او اجتماعية لمجموعة من الافراد وان كانت تستعمل الوسائل السياسية في سبيل ذلك. وعلى سبيل المثال التبسيط يمكننا التمييز بينهما في الامرين التاليين )اوجه الاختلاف( :
اولا : ان الاغلبية العظمى من جماعات الضغط لا يكون لفرضها الوحيد بلوغ هدف سياسي اي لا تضع لنفسها هدف سياسي كاملا كالاحزاب السياسية
ثانيا : ان جماعات الضغط خلافا للاحزاب السياسية لا تقدم مرشحين لها في الانتخابات العامة و ان كانت تعمل على تأييد بعض المرشحين, وفحوى ذلك ان جماعات الضغط لا تخوض بنفسها المعركة السياسية في الانتخابات العامة و هذا هو الفرق الاساسي الفصل بينها و بين الاحزاب.
اما اوجه التشابه بيتهما , فالاحزاب السياسية تفرز جماعات ضغط تتوخى التاثير على سياسة الحكومة او التاثير على الراي العام بحيث يكون مؤيدا و مناصرا لها خصوصا قبيل الانتخابات العامة, ومن جهة ثانية قد توجد جماعات الضغط خارج هياكل و اطر الاحزاب السياسية كالنقابات العمال و اتحادات ارباب العمل تحاول تاييد الاحزاب و الحركات السياسية من خلال التصويت لها او التاثير على المواطنين بطريقة اخرى للتصويت لها خلال الانتخابات.
وهناك علاقة وثيقة بين جماعات الضغط و تكوين الراي العام , فجماعات الضغط تعتبر من اهم الجماعات المرجعية التي تاثر في تكوين الراي العام. وفي كثير من الاحيان تلجئ الجماعات من اجل تحقيق اهدافها الى الموارد المالية الضخمة التي تمتكها في توجيه مصلحتها و حمل الحكومة و المجلس على تبني قضاياها, و تلجا الى مختلف الوسائل التي تاثر في الراي العام مثل اصدار النشرات و توزيعها و عقد الندوات و القاء المحاضرات و استخدام الاعلام الى غير ذلك من مختلف وسائل الاتصال بالراي العام, فاذا ما تحقق لها اقناع الراي العام بقضيتها حتثه على كتابة الرسائل و البرقيات للمجلس او للحكومة حتى يتم التعديل المطلوب لمشروع قانون او سياسة حكومية. وتسمى هذه السياسة باسم الضغط الجذري اي ضغط طبقة عامة الناس.
ان جماعة الضغط تمارس في بعض اقطار العالم نفوذا كبيرا على سلطتها من خلال التاثير على الراي العام و تعبئته و تغييره لصلحها و صالح اهدافها ومصالحها و مخططها, والنتيجة ان مثل الدول التي تخضع في سياسيتها لهذه الجماعات, وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة الامريكية التي تهيمن على توجيه سياسيتها الخارجية في الشرق الاوسط جماعة منظمة تعرف بالجماعة الصهيونية التي استطاعة التاثير في الراي العام الامريكي و حملته على تاييد اهدافها و برامجها وتمكنت من ان تخضع كلا السلطتين التنفيذية و التشريهية الى مشيئتها الى حد كبير , وهذا هو سر بقاء امريكا في الشرق الوسط على حالتها لمدة طويلة , بالرغم من تبدل الاحزاب التي تعتلي السلطة و اختلاف الوجه التي تشغل القيادة.


فوائدة و مضار جماعات الضغط

يبدو ان هناك تعارض و تناقض بين قيم الديمقراطية و الحريات الفردية و بين ممارسة جماعات الضغط, لكن جماعات الضغط ما هي في الحقيقة الا وسيلة منظمة للدفاع عن مصالح الافراد و حرياتهم.
لكن لا يمكن ان ننكرمن الناحية الاخرى ان نشاط جماعات الضغط يتعارض تمتما مع نظرية الديمقراطية التحررية التي تنص على ان المواطنين كافراد حق الاشتراط في العمل السياسي , وما دمنا نسلم بان المواطن يستطيع كفرد ان يكفل مصالحه , و ايضا لا يصح ترك زمام الامر كله في ايدي هذه الجماعات فان ذلك يؤدي بنا الى الاعتقاد بضرورة اشتراك الاثنين في العمل السياسي. من هنا جاء الكثيرين من الكتاب يهاجمون جماعات الضغط و ذلك للأسباب التالية :
1- ان حماعات الضغط تقوم على اساس تحقيق مصالح طبقية, مما يتعارض مع المصلحة العامة.
2- ان جماعات الضغط تفرض على اعضائها الولاء لها و هذا يتنافى مع ولاء العضو للجماعة الكبرى و هي الدولة.
3- يساور الطبقة المتوسطة خوف كبير من تكتل العمال في نقايات قوية قد يهدد في النهاية بسيطرة العمال على الحكم و تكوين الدكتاتورية... البروليتارية.
4- تتبع معظم جماعات الضغط اسالب مختلفة مجحفة و ظالمة في تحقيق اغراضها وغالبا ما تستعمل الرشوة و الخداع و التضليل في تحقيق ما تصبو اليه.
5- ان جماعات الضغط لا تمثل المصالح المتعارضة لجميع فئات المجتمع.
6- ان زمام الامور في جماعات الضغط تستاثر به عادة فئة قليلة من الزعماء و بعض الموظفين المأجورين.

لكن هذه المساوئ و العيوب التي تعاني منها جماعات الضغط تقابلها محاسن و فوائد كثير تقدمها هذه الجماعات للنظام السياسي , ومن اهم هذه المحاسن ما يلي :
1- ان نمو الجهاز الحكومي و ازدياد عدد موظفيه يهدد بالقضاء على حريات الافراد.
2- تقوم جماعات الضغط بالتاثير في الحكومة طوال الفترات بين الانتخابات العامة.
3- ان الجماعات تملك بحكم تخصصها و تمرسها بمهامها وسائل الوقوف على البيانات و الاتصال بالجهات الموثوق بها, ومن ثم يسهل على الحكومة دراسة مشروعات القوانين المقترحة و احسن الطرق لتنفيذها يضاف الى ذلك ان الجماعات اكثر تاثيرا بالقرارات الحكومية من الافراد.



جماعات الضغط في المجتمع العربي :

تتمثل جماعات الضغط في المجتمع العربي بالمنظمات المهنية و الشعبية, و الاندية و الجمعيات الاجتماعية و الرياضية, والهيئات و المؤسسات العلمية, و الاحزاب السياسية , لجان المجتمعات المحلية, الشركات التجارية الاهلية و المعاهد و الجامعات الاكادمية و مجالس البحث العلمي , و المؤسسات و التكثلات العسكرية...وتستطيع جماعات الضغط هذه من خلال قوتها و نفوذها و تاثيرها و سمعتها فرض ادارتها على الاجهزة و السلطات الحكومية و غير الحكومية و حملها على التصرف ضمن مصالحها و اهدافها و خططها.

اذن جماعات الضغط تمثل منظمات و نقابات و مؤسسات مهنية يعتمد عليها المجتمع في مسيرته الحضارية و تحقيق برامجه و اهدافه . ولولا اهمية هذه الجماعات لما اذعنت مؤسسات الدولة و المجتمع لضغوطها و اوامرها و مطالبها و لما استطاعت الجماعات ذاتها من تحقيق اهدافها و تلبية مصالحها و لكنه في معظم الاحيان لا تقوم جماعات الضغط بالتاثير على سياسة الدولة و المجتمع و جعلها تمضي في مسارات معينة دون ان يكون هذا التاثير للصالح العام و تحقيق المصلحة الجماعية, ومن جهة اخرى نستطيع القول بان الممارسات السلوكية لجماعات الضغط لا تختلف عن الوساطات التي يعتمدها بعض الافراد و الجماعات في تحقيق ماربها و اهدافها.