ملخص مميز لمستجدات دستور 2011


شكل الخطاب الملكي ل 09 مارس 2011 حدثا سياسيا كبيرا في الساحة السياسية ومنعطفا تاريخيا في مجال الديمقراطية وانخراطا جريئا في مسلسل الإصلاح السياسي والمؤسساتي في المغرب حيث رسم الملك من خلال خطابه خارطة طريق جديدة لطريقة الاشتغال السياسي للنظام السياسي المغربي.

الخطاب كان دعوة للإصلاح والدخول في مرحلة جديدة أكثر حداثة وديمقراطية.

تماشيا مع هذا الخطاب التاريخي، كشفت الأحزاب السياسية والنقابات والفعاليات الجمعوية والشبابية عن مذكراتها المرفوعة إلى اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور، من خلال تقديم مقترحاتها حول الإصلاحات الدستورية والسياسية التي جاء بها الدستور الجديد.

إذن ماهي أهم المستجدات التي جاء بها هذا الدستور؟

على مستوى دور المؤسسة الملكية


الملكية المغربية نظام قديم متأصل متميز، وقد حدد الدستور المغربي دورها وجعلها ملكية تسود و تحكم، يعتبر الفصل 19 من الدستور المغربي لسنة 1996 من ابرز وأكثر الفصول إثارة للجدل.

وبالرجوع إلى مضامين الخطاب الملكي ل 09 مارس، نجد جلالة الملك يشدد على قدسية الثوابت وعددها كالتالي:"الإسلام دين الدولة الضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين والنظام الملكي والوحدة الوطنية والترابية و الخيار الديمقراطي، الضامن القوي والأساس المتين لتوافق تاريخي، يشكل ميثاقا جديدا بين العرش والشعب".

إن القراءة المتمعنة لمذكرات الأحزاب السياسية، تظهر جليا أن الأحزاب المغربية قد تشبثت بالملكية، ولكن اختلفت في تصوراتها لسلطات الملك وتفادت جلها الخوض في الفصل 19 و التداول في إمارة المؤمنين،إذ حصل شبه إجماع على أن هذا الفصل لايطرح مشكلا وأكدت غالبية الأحزاب أهمية إمارة المؤمنين لبلد كالمغرب.

وفي هذا الصدد، جاء الدستور الجديد بتقسيم الفصل 19 إلى قسمين: يهم الأول تنظيم حقل إمارة المؤمنين، إذ لا يطرأ على هذا الاختصاص أي تعديل، لأنه يختص بتدبير الحقل الديني و يضم القسم الثاني، صلاحيات الملك كرئيس للدولة وممثلها الأسمى رمز الوحدة الوطنية و الترابية، والتحكيم الأعلى وضمان الاختيار الديمقراطي والمصالح الأساسية للبلاد.

كما تم حذف كل إشارة إلى قداسة شخص الملك ،وتعويض ذلك بان الملك لاتنتهك حرمته،وله واجب التوقير والاحترام.

على مستوى السلطة التنفيذية


يقوم النظام السياسي المغربي على ازدواجية السلطة التنفيذية، بوجود الوزير الأول إلى جانب رئيس الدولة، الشيء الذي ساهم في إضعاف الحكومة ومؤسسة الوزير الأول. لتجاوز هذا الوضع جاء الدستور الجديد بمايلي :

حكومة منبثقة من البرلمان المنتخب تحت قيادة رئيس للحكومة يمارس سلطة تنفيذية فعلية هذا الأخير يعينه الملك من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وتنصيبه من لدن الأغلبية المطلقة لمجلس النواب،وهو مسؤول أمام هذا المجلس، كما تم تبديل تسمية الوزير الأول برئيس الحكومة، حيث أصبح قائدا حقيقيا وموجها للفريق الحكومي, مع وضع الإدارة رهن تصرفه وممارسته لسلطة تنفيذية حقيقية ولصلاحيات واسعة في مجال التعيين في الوظائف المدنية،ودسترة مجلس الحكومة وتوضيح اختصاصاته.

على مستوى السلطة التشريعية


تماشيا مع المحددات السبع الواردة في الخطاب الملكي، وخاصة المحدد الرابع الذي عبر فيه جلالة الملك عن توطيد مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها ودمقرطة وتحديث المؤسسات وعقلتنها، من خلال برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة مع توسيع مجال القانون وتخويله اختصاصات جديدة كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية.

جاء الدستور الجديد، بالتنصيص على ضرورة ربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة و المحاسبة ،ونص على أن البرلمان هو وحده المختص بتشريع القانون ويراقب الحكومة ويتولى تقييم السياسات العمومية بنظام ثنائية برلمانية يخول مكانة الصدارة لمجلس النواب،الذي له وحده أن يضع مسؤولية الحكومة على المحك وغرفة ثانية ذات عدد مقلص وذات طابع ترابي مع تمثيلية نقابية ومهنية،وتوسيع مجال القانون ليرتفع عدد مواده من 30 إلى 60 مادة من بينها 26 قانون تنظيمي،وتوفير آليات ناجعة للمراقبة البرلمانية مع إضفاء طابع المرونة على شروط النصاب الضرورية لملتمس الرقابة وتشكيل لجن تقصي الحقائق والإحالة على المحكمة الدستورية وطلب عقد الدورات الاستثنائية.

على مستوى السلطة القضائية


تم الارتقاء بالقضاء إلى سلطة قضائية،التنصيص على دسترة ضمانات أساسية لاستقلالية القضاء بسن نظام أساسي خاص مدعم بموجب قانون تنظيمي، ومنع كل تدخل غير مشروع في عمل القضاة الذين يجب أن لا يخضعوا إلى أية أوامر أو تعليمات، إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يرأسه الملك ويتولى السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، كما تعود الرئاسة المنتدبة للمجلس للرئيس الأول لمحكمة النقض، عوض وزير العدل، وتدعيم تمثيلية النساء القاضيات،كما انفتح المجلس من حيث تركيبته على شخصيات من خارج العالم القضائي مشهود لها بالدفاع عن استقلال القضاء،كما تم التنصيص على إحداث محكمة دستورية تسهر على احترام سمو الدستور.

على مستوى الحقوق و الحريات الأساسية


جاء الدستور الجديد بعدد من الحقوق و الحريات الأساسية، التي يجب الإبقاء عليها مكاسب دستورية تاريخية،فقد رسخ مبدأ سمو المواثيق الدولية،كما صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية.

حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة.

كما تم ترسيخ ترسانة من الحقوق والحريات ترقى إلى مستوى المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، كالحق في الحياة،الحق في محاكمة عادلة،حظر التعذيب وكل أشكال الخرق السافر والممنهج لحقوق الإنسان،قرينة البراءة والحق في الولوج إلى المعلومة،حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي...الخ.

إضافة, إلى توسيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية:الصحة,الحماية الاجتماعية،تعليم حديث وسهل الولوج وذو جودة،سكن لائق،بيئة سليمة وتنمية مستدامة.

تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة بإقرار مبدأ المناصفة.

على مستوى إحداث ودسترة المؤسسات


دسترة مجلس المنافسة وهيئة النزاهة ومحاربة الرشوة،وكذا المؤسسات المستقلة الأخرى المكلفة بحماية وتنمية حقوق الإنسان و الضبط والحكامة الجيدة،ولاسيما مجلس حقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، وخلق مجلس أعلى للأمن، بوصفه هيئة للتشاور حول القضايا الإستراتيجية للأمن الداخلي و الخارجي للبلاد،وكذا لتدبير الأزمات وماسسة قواعد الحكامة الأمنية الجيدة.دسترة الجهوية المتقدمة,إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية،إحداث هيئة المناصفة لمحاربة كل أشكال التمييز،دسترة الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري،إحداث صندوق التضامن بين الجهات وصندوق إعادة التأهيل الاجتماعي للجهات.

على مستوى الاهتمام اكثربقضايا اللغة والهوية


التنصيص على احترام المغرب للتعددية الثقافية، واعتبار تعبيراتها اللغوية والحضارية مكونات للهوية المغربية المنفتحة،والتنصيص على دسترة الوضع اللغوي بالمغرب باعتبار اللغتين العربية و الامازيغية لغتين رسميتين،كما تم التنصيص في تصدير الدستور على أن المغرب جزء من الأمة العربية والإسلامية،وبكونه امة موحدة قائمة على تنوع روافد
هويتها العربية الامازيغية الحسانية الصحراوية الافريقية الاندلسية العبرية والمتوسطية.

إن دستور المملكة المغربية الجديد يسمو إلى مثيلاه من الدساتير ذات التقاليد الديمقراطية ,فهو لايقتصر فقط على التصريح بطابع الملكية الدستورية الديمقراطية لنظام الحكم بل يتجاوزها إلى تكريس الحقوق و الحريات الأساسية بشكل أكثر جرأة ووضوحا في الأسلوب والمضمون معا.