التقائية حقوق الإنسان والحريات العامة


ذ. هشام الرشدي

اضحى موضوع حقوق الإنسان حديث الساعة اعتبارا لحداثته كمفهوم مرتبط بالانسان و بكينونته ،و قد برز مند نشأة الأمم المتحدة، وأضيف إليه مفهوم الحريات العامة، واستخدما بقوة كأداة للنضال السياسي ضد الأنظمة الاستعمارية والديكتاتورية للمطالبة بمنح المزيد من الحقوق والحريات للشعوب.ليبقى التساؤل مطروحا حول مكامن التقائية هذين المفهومين و مدى ترابطهما.

إن لموضوع الحقوق والحريات العامة أهمية قصوى تتمثل في أنهما من بين الدعائم التي يقوم عليها النظام الديموقراطي المعاصر ، و قد عرفت حقوق الانسان و الحريات العامة تطورا عبر التاريخ مع تطور الأزمان والأذهان بسبب ثورة الشعوب على استبداد الحكام و مع حضور الوعي الجمعي بضرورة فك النزاعات و الحروب ، و العمل على تحقيق السلم و الامن الدوليين. فالاعتراف بالكرامة المتأصلة للانسان وحقوقه المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والسلام في هذا العالم الذي لا يكون إلا باعتراف وضمان شيء واحد هو "الحقوق والحريات"، حيث كان للإسلام فضل سبق في إعلان وإظهار الحقوق والحريات بصفة عامة وإعلان مبدأ المساواة في الحقوق والتكاليف العامة في القرن السابع الميلادي أي منذ أكثر من 14 قرن من الزمن، ثم نادت إعلانات ودساتير عدة في إنحاء العالم بالحقوق والحريات ودعت إلى ضمانها وإقرارها .

تعد حقوق الإنسان مجموعة من الحقوق التي يمتلكها كل فرد، بغض النظر عن جنسيته، دينه ولون بشرته، و يتم التعريف بهذه الحقوق على أنها عالمية وغير قابلة للتصرف، ومكفولة للجميع كونهم بشراً. ومجال حقوق الإنسان مجال واسع، يغطي عدداً كبيراً من الحقوق؛ على سبيل المثال: الحق في الحرية والحق في المساواة أمام القانون، والحق في حرية التنقل، والحق في الحصول على جنسية، والحق في حرية تكوين الجمعيات، والحق في مستوى معيشي لائق، الحق في العمل، الخ…

فيما تعبر الحريات العامة عن حالة الشخص الذي لا يوجد في وضعية التبعية لاخر، فهي نقيض للعبودية، وقد تعني القدرة التي يتمتع بها الفرد داخل المجتمع للقيام بفعل ما او الامتناع ، و في الحدود التي تفرضها ضرورة حماية الآخرين و احترامهم.

وعلى هذا الأساس، الحريات العامة تعني تلك الحريات والحقوق التي تعترف بها الدولة للأفراد، وتعمل على تنظيمها بنصوص تحدد الإطار القانوني للممارسة، بينما تستمد حقوق الإنسان وجودها من القانون الطبيعي الذي يعترف للإنسان بحقوق تلازم شخصيته، وهذا يعني أن تلك الحقوق مرتبطة بالشخص كإنسان بغض النظر عن جنسيته أو لونه أو دينه أو لغته...

ﺇﻥ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺣﺮﻳﺎﺗﻪ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺗﻤﻜﻨﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻄﻮﺭ ﻭﻧﺴﺘﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻛﺎﻣﻞ ﺧﺼﺎﻟﻨﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﺪﺭﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﻭﻣﻮﺍﻫﺒﻨﺎ لولادة ﻧﻈﺎﻡ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﻣﻌﻴﻦ، وﻫﻲ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﻮﺣﺪﺗﻬﺎ ﻭﺗﺸﺎﺑﻬﻬﺎ، ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﻬﺎ ﻭﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻬﺎ ﻭﺣﻤﺎﻳﺘﻬﺎ، ﻷﻧﻬﺎ ﺟﻮﻫﺮ ﻭﻟﺐ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺛﻤﺔ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺃﻭ ﺗﻐﺎﻳﺮ ﻓﺈﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﺮﺟﻊ ﻟﻜﻞ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻭﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻩ ﻭﻋﺎﺩﺍﺗﻪ ﻭﻣﻌﺘﻘﺪﺍﺗﻪ .

و الحال انه لا يمكن الفصل بين حقوق الإنسان والحريات العامة، لان هذه الأخيرة تتضمن إلى جانب الحريات حقوقا مثل حق الاعتقاد، حق التعلم، الحق في العمل والضمان الاجتماعي إلى غير ذلك من الحقوق، وهذه الحقوق منها ما هو معترف به منذ الاعلان الأول لحقوق الإنسان: مثل الإعلان البريطاني والأمريكي والفرنسي، ومنها ما اعترف به بعد ذلك، وكلها حقوق ضرورية للإنسان مثلها مثل الحريات العامة، التي على الدولة أن تعترف بها أولا للمواطن قبل أن تتدخل لحمايتها، كما ينبغي أن يمتد الكشف عن الحقوق والحريات ليشمل حقوقا جديدة ظهرت في نهاية القرن 20 التي أطلق عليها اسم الحقوق الجماعية أو التضامنية مثل حق الشعوب قي تقرير مصيرها، الحق في السلام، الحق في العيش في بيئة سليمة، وهي حقوق تنتمي إلى الجيل الثالث لحقوق الإنسان، التي تعد جزءا مكملا للجيل الأول، أي الحقوق المدنية والسياسية، ويشمل الجيل الثاني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولرفع اللبس بين مفهومي حقوق الإنسان والحريات العامة ينبغي التركيز على طبيعة تكوين من يدرسهما، وعلى نوعية آلية حماية تلك الحقوق والحريات. فالدارس الذي يرتبط تكوينه بالقانون الدستوري والإداري والجنائي يفضل استعمال مصطلح الحريات العامة، ويقوم بدراسة الحريات التي تعترف بها الدولة واليات الحماية الوطنية لتلك الحقوق والحريات، بينما يستعمل الباحث الذي يرتبط تكوينه بالقانون الدولي والعلاقات الدولية مصطلح حقوق الإنسان عند دراستها على المستوى الدولي والإقليمي والتركيز على الآليات التي يضعها المجتمع الدولي لضمان حمايتها.

نستشف إذن أن التقائية الحريات العامة وحقوق الإنسان تجعل منهما مصطلحين لدلالة على الشئ نفسه، لكن على مستويين مختلفين هما: المستوى الوطني والمستوى الدولي. ورغم صعوبة الفصل بينهما فهما يشتركان في المصدر نفسه وهو الفلسفة الإنسانية والديانات السماوية، وإعلانات الحقوق الصادرة بعد التوراث والحروب.

إن موضوع الحقوق والحريات موضوع هام، وقد برزت أهميته أكثر بتطور الحياة في مختلف المجالات، حيث نادت إعلانات كثيرة ودساتير بالحقوق والحريات عامة ودعت إلى كفالة حمايتها من خلال مبدأ المساواة. و ذلك اعتبارا أن هذه الحقوق والحريات لا يمكن لها أن تقوم إلا في ظل دولة قانونية تكفل هذه الحقوق وتحميها.و بدون ريب فان الحقوق والحريات تعتزم بناء مؤسسات دستورية أساسها مشاركة كل الأفراد في تسيير الشؤون العمومية، والقدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وضمان الحرية لكل فرد بالمجتمع، و الانخراط في مسلسل عقلنة تدبير شؤون هذا المجتمع او ما يصطلح عليه بالحكامة الجيدة.