متجدد : ٱخر مستجدات ماسترات القانون : اضغط هنا
صفحة دروس القانون على الفيسبوك : اضغط هنا للانضمام 

مؤسسة السجن: الوقاية و إعادة الإدماج



 الرشدي هشام

مؤسسة السجن: الوقاية و إعادة الإدماج
   لا غرو اليوم ان مؤسسات السجون  تعد كواحدة من المؤسسات الاجتماعية التي تلعب الدور الرئيس في السياسة الردعية التربوية القائمة على محاربة الاجرام و السلوك الانحرافي و حالات العود، و تهدف الى اعادة بلورة السلوكات لدى الأفراد المحكوم عليهم بطبيعة الحال، وتصويب التفكير لديهم بما يتوافق وثقافة المجتمع و القيم التي يعيش في كنفها و مع البيئة التي ينتمون إليها، كما تحاول إكساب الفرد جملة من السلوكات الاجتماعية المقبولة والتي لا تتعارض مع السلوكيات الاجتماعية المتبعة، من هنا كان دور السجون إعادة تربية الفرد المجرم، وتنشئته من جديد،أوبالأحرى إعادة شخصنته بما يتوافق والآداب العامة، والقيم الكونية المتوافق عليها، وما يتناسب وأنماط الضبط الاجتماعي السائدة، وذلك بالتنسيق مع مختلف أجهزة التنشئة الاجتماعية والمؤسسات الرسمية وكذا جمعيات المجتمع المدني القائمة في ذلك المجتمع.
فالسجن هو ثمرة تطبيق قواعد التجريم والعقاب، وكافة قواعد الإجراءات الجنائية، فجميعها مقدمات لهذه النتيجة في حالة القضاء بالإدانة. فبعد النطق بالعقاب الواجب النفاذ، يساق الإنسان المحكوم عليه إلى السجن، فيدخله و هو إنسان دون أن تتخلى عنه إنسانيته، نعم تقيد حريته إلى حين أو تسلب منه طوال حياته ، لكنه يبقى إنسانا و تبقى معه إنسانيته و لهي من الحقوق الإنسانية ما يستوجب حمايتها، على اعتبار أنه لم تبقى فكرة حقوق الإنسان قاصرة على المواطن الحر، بل تجاوزته لتشمل السجناء وتدافع عن ما تبقى لهم من الحقوق داخل المِؤسسات السجنية . ومن ثم وضع المجتمع الدولي قواعد و مبادئ لتحقيق هذه الحماية في حدها الأدنى، مما يمكن اعتبارها معيارا، لمدى التزام الدول بتوفير هذه الحماية للإنسان المسجون لديها و التكفل به، هذا التكفل بالسجناء يعني العمل على إصلاحهم، و إعادة تربيتهم حتى يكتشفون أخطاءهم، ويعودون إلى جادة الطريق الصحيح، وهذا التكفل ايضا هو أساس العمل الذي تتخذه هذه المؤسسات التي لابد أن تكون إصلاحية أكثر منها عقابية، ويكون فيها الاصلاح شاملا لجميع ضروريات اعادة الادماج من تكفل نفسي واجتماعي وصحي ومهني وتعليمي، وتهذيب أخلاقي، وحتى ترفيهي باعتبار الترفيه عامل مهم في امتصاص الطاقات السلبية لدى الفرد.
فإشكالية السجن كالية ردعية للفعل الجرمي ، و محاولة تطويق هذا الفعل المجانب للصواب و إصلاح فاعله ، ليست مشكلة دولة معينة ، بل هي مشكلة تواجه الحكومات في كل مكان، فهي من المشاكل التي اتسمت بالتعقيد و التداخل، واعترت الحلول التي اقترحت لأجلها صعوبات كبيرة ، ومن ثم كانت من أوائل المشاكل التي تصدى لها المجتمع الدولي و عقد لها المؤتمرات الدولية لوضع حلول لها ، و كانت ثمار هذه المؤتمرات واضحة في وضع التصور الشامل لهذه المشكلة ، إلا أن اختلاف الأنظمة الحاكمة و الإمكانات المادية قد حالت دون تحقيق هذه الحلول ، مما جعل الأمم المتحدة تضع عدة مبادئ في هذا الشأن تجعل منها قواعد الحد الأدنى التي يتعين على الدول الالتزام بها في معاملة السجناء و مر ذلك بعدة تطورات عبر العصور التي مضت وصولا إلى زماننا الحاضر.
فبعد أن أقر المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في 31 يوليوز سنة 1957 مجموعة من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء التي أصدرها مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة و معاملة المجرمين في دورة انعقاده في جنيف عام 1955، اعتبرها المجلس بمثابة الشروط الدنيا التي تراها الأمم المتحدة لازمة السجون و المعتقلات ، و بعد ذلك ففي عام 1965 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو إلا إنسانية أو المهينة . وقد اكتمل المشروع بهذه القواعد في الدورة الثالثة والأربعين للجمعية بموجب القرار 43/163 المؤرخ في ديسمبر 1988. وتبرز أهمية هذه المبادئ في إرساء معايير قانونية و إنسانية يمكن في ضوئها تقييم معاملة الأشخاص الذين يتعرضون إلى أي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ، بالإضافة إلا أن هذه المبادئ مبنية على الأحكام التي أرساها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
على كل حال لا بد من الإشارة بأن هناك دولا قبلت البنود العالمية المتعلقة بحماية حقوق السجناء، وحاولت جاهدة تطبيق مضامينها على أرض الواقع وذلك في محاولة منها لإدماج سجنائها وتأهيلهم، والخروج بهم من عالم الجريمة إلى عالم المواطنة الصالحة، وفي المقابل هناك دولا وافقت على هذه البنود لكن لم تبذل أية جهود لتكريسها على أرض الواقع، فساهمت في تراكم الإجرام وتنمية النزعة الإجرامية لدى سجنائها،وذلك بتطبيقها للعقوبة البدنية في أغلب الأحيان دون مراعاة شخصية الجاني والظروف الاجتماعية التي دفعته لارتكاب جريمته.
و يعتبر المغرب من الدول الرائدة في مجال احترام حقوق الانسان و ما فتا ينهج سياسة سجنية هدفها الوصول إلى استراتيجيات تخدم مصالح الشخص السجين من جهة، ومصالح الأفراد العاديين في المجتمع وحمايتهم من الجريمة من جهة ثانية.وبالتالي التوفيق بين الجرائم التي ترتكب والتي تحتاج إلى ردع لأصحابها وعقابا لهم وبين علاج السجناء وإدماجهم والنظر في الدوافع المختلفة لارتكاب الجرائم وبالتالي تأهيلهم ومحاولة إرجاعهم إلى المجتمع وهم مواطنين صالحين.
إن الاستثمار الذي تخوض غماره مؤسسة السجن بخصوص إعادة إدماج السجين هو استثمار في مواجهة الجريمة و الوقاية منها،و الحال أن حالات العود إلى المؤسسات السجنية من طرف السجناء يصبح من جرائها هاجس تفريخ مجرمين آخرين يغدو لا يفارق أذهان الجميع، و ستشكل الجريمة لا محالة عبئا إضافيا على المؤسسة و على الدولة التي يزداد إنفاقها العمومي بهذا الخصوص، و كما أن الرابطة الأسرية للمجتمع تختل بفعل ذلك، هذا ناهيك عن الاضطراب الذي يحصل في المطلب الأمني للمجتمع و الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الوطني الذي هو في حاجة ماسة إلى جو يملئه الاستقرار و النشاط العملي عوض الجريمة و الفوضى .
إن إعادة الإدماج الموجهة للسجين التي تقوم بها مؤسسة السجن تتم عبر عدة اجرائات و تدابير، عبر تحضير النزيل بشكل تدريجي لتقبل واقع السجن، و بعد ذلك تأهيله لإعادة انخراطه في المجتمع من خلال تنمية و تطوير قدرته الذاتية، عبر إحداث تغيير ملموس في سلوكه و إحياء المبادئ القيمية المتعارف بين أوساط المجتمع، كل هذا يتم بالتعاون و التشارك بين الإدارة المشرفة على المؤسسة و جهات خارجية كالجمعيات الناشطة في هذا الشأن، هذا دون أن نغفل رغبة السجين التي تعد الركيزة الأولى التي يبنى عليها أي إصلاح و إدماج وكذلك دور عائلته في هذا المنوال.
و جدير بالذكران أي إدماج للسجين بالمجتمع رهين -إضافة إلى البرامج التاهيلية التي يتلقاها بمؤسسة السجن و مدى استيعابه لها - بإعادة قبوله كعنصر ناشط في المجتمع و ذلك بتغيير النظرة الدونية المسلطة عليه من طرف هذا المجتمع، و اعتباره كباقي الأفراد له من الحقوق ما لهم و عليه من الواجبات ما عليه، و إن كان اخطأ و دخل السجن فقد تيسر له من السبل ما أعيد بها إدماجه و تأهيله للعودة بين أحضان المجتمع من جديد.
و تبقى أفضل وسيلة لمكافحة الجرائم هي الوقاية منها عبر نشر الوعي عبر أفراد المجتمع بقيم السلوك القويم، و إيجاد التدابير و الحلول الناجعة للحد من تفشيها و محاربتها و اجتثاثها من جذورها للحفاظ على استقرار المجتمع، و برمجة استراتيجيات لمعالجتها من طرف كل المؤسسات المرتبطة بهذا الحقل، و لعل مؤسسة السجن يعد أهم هذه المؤسسات باعتباره محضنا لتأهيل و إصلاح المجرمين و إعادة تكييفهم مع المجتمع، و من ثمة إبعادهم عن السلوك الإجرامي الذي يضر بالآخرين و بالمحيط الاجتماعي ككل.